تقدم القراءة

الفهرس

مشاركة

/
الحقوق المدنية للأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عُمان 2025: ضمان الكرامة الإنسانية
الحقوق المدنية للأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عمان 2025

الحقوق المدنية للأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عُمان 2025: ضمان الكرامة الإنسانية

amira shokry
9 ديسمبر، 2025
0
248

الفهرس

يحمل قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة 2025 في سلطنة عُمان معنى عميق يتجاوز النصوص القانونية؛ إنه اعترافٌ رسمي بأن الإعاقة ليست حكمًا بالعزلة، بل جزء من التنوع البشري يستحق الحماية والكرامة. لقد جاء هذا القانون ليؤكد حقيقة بسيطة لكن حاسمة: الشخص ذو الإعاقة إنسان كامل الأهلية والحقوق، وليس كائنًا يحتاج إلى الشفقة أو العطف.

هذه المقالة تركز على الحقوق المدنية التي تشكّل الأساس الراسخ لكل حق آخر. المواد من (11) إلى (23) لا تتحدث عن حقوق مجردة، بل عن حياة يومية حقيقية يعيشها الشخص ذو الإعاقة كل يوم. هذه الحقوق المدنية ليست امتيازات بل هي الأساس الذي يُمكّن الأشخاص ذوي الإعاقة من أن يكونوا شركاء كاملين في المجتمع، يتمتعون بالاستقلال والكرامة الإنسانية الكاملة.

تعريف الشخص ذي الإعاقة

قبل الخوض في الحقوق المدنية، من المهم فهم كيف يعرّف القانون الشخص ذي الإعاقة. لا يُعرّفه بناءً على نوع الإعاقة أو درجتها وحسب، بل يربط التعريف بالبيئة المحيطة والتهيئة المناسبة. يُعرّف القانون الشخص ذي الإعاقة بأنه كل من يعاني من قصور طويل الأمد في القدرات الجسدية أو الذهنية أو الحسية أو العقلية، بحيث يحدّ ذلك من قدرته على التفاعل على قدم المساواة مع الآخرين، ما لم تُتخذ التهيئة المناسبة للبيئة المحيطة.

هذا التعريف يرسل رسالة واضحة: الإعاقة ليست نقصًا في الفرد، بل هي حالة تحتاج إلى استجابة مجتمعية وبيئية. بمعنى آخر، المسؤولية لا تقع على الشخص ذي الإعاقة وحده، بل على المجتمع والدولة في توفير الظروف المناسبة.

ثلاثة أشخاص عُمانيين؛ شاب على كرسي متحرك في المنتصف، رجل كفيف بعصا بيضاء على اليسار، وشابة بيد صناعية متطورة على اليمين، يقفون أمام خلفية زرقاء داكنة مع إضاءة سينمائية خافتة تمنحهم مظهراً قويًا ومُلهمًا.

المساواة العامة والحقوق الأساسية

المادة (11) تقرر أن الأشخاص ذوي الإعاقة يتمتعون بجميع الحقوق والواجبات العامة المقررة في النظام الأساسي للدولة والقوانين النافذة دون تمييز بسبب الإعاقة. هذا يعني أنهم مواطنون كاملون في نظر القانون، لا تُنقص الإعاقة من حقهم في التعليم أو العمل أو الرعاية أو المشاركة المجتمعية. الأساس هو المساواة الكاملة؛ والاستثناءات يجب أن تخضع لقوانين عامة تطبق على الجميع، وليس لمجرد وجود الإعاقة.

المادة (12) تؤكد أن الأشخاص ذوي الإعاقة يتمتعون بالأهلية القانونية على النحو المقرر في قانون المعاملات المدنية. هذا يعني أنهم يحق لهم التصرف في أموالهم، وإبرام العقود، واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم بحرية كاملة. تلتزم الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتمكينهم من ممارسة هذه الأهلية دون قيود تمييزية، وتوفير الدعم أو الترتيبات التيسيرية عندما تكون مطلوبة لضمان فهمهم وقدرتهم على الاختيار الحر.

المادة (13) تؤكد على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في التقاضي، وتلتزم الجهات المعنية باتخاذ الإجراءات المناسبة لتيسير ممارستهم لهذا الحق. يتضمن ذلك توفير ما يلزم من تسهيلات إجرائية أو فنية؛ مثل توفير مترجم لغة إشارة، أو تكييف الإجراءات الإدارية، أو توفير المستندات بصيغ ميسّرة؛ حتى يتمكن الشخص ذو الإعاقة من عرض قضيته والدفاع عن حقوقه أمام القضاء بفعالية وكرامة.

الحرية الشخصية والحماية من العنف والاستغلال

المادة (14) تقرر حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الحرية الشخصية والأمن والسلامة الجسدية، وتحظر تقييد حريتهم أو اتخاذ أي إجراء بحقهم بسبب الإعاقة وحدها. هذا يعني أن الدولة لا تستطيع احتجاز شخص ذي إعاقة أو تقييد حريته بدعوى حمايته أو حماية الآخرين، إلا وفق القوانين العادية التي تُطبّق على الجميع. المادة تمنع بوضوح الممارسات التمييزية التي تُبرر بالإعاقة نفسها، مثل الإيداع القسري في مؤسسات أو العزل الاجتماعي.

المادة (15) توسّع نطاق الحماية لتشمل الحماية من جميع أشكال العنف والاستغلال والإساءة، سواء في الأسرة أو بيئة العمل أو المؤسسات التعليمية أو في أي سياق يتلقى فيه الشخص ذو الإعاقة خدمة أو رعاية. تلتزم الدولة بتوفير وسائل الحماية والدعم اللازمة، بما في ذلك آليات الإبلاغ الفعّالة، والتحقيق السريع والعادل، والمساءلة الصارمة للمعتدي. كما تؤكد المادة على ضرورة المعاملة التي تحفظ الكرامة والسمعة والشرف، مما يعكس أن الحماية ليست مجرد وقاية من الأذى الجسدي، بل حماية شاملة للكرامة الإنسانية.

المادة (20) تُلزم الجهات المعنية بتهيئة الظروف المناسبة للأشخاص ذوي الإعاقة في حال توقيفهم أو سجنهم، وتوفير الحد اللازم من الرعاية والتأهيل عند تقييد حريتهم. كما يجب ندب محامٍ للدفاع عن الشخص ذي الإعاقة في مرحلتي التحقيق والتقاضي وفق ما تحدده اللائحة التنفيذية. المضمون أن كرامة الشخص وحقوقه القانونية لا تسقط إذا كان طرفًا في قضية جنائية، بل تزداد الحاجة لحمايته وتمكينه من الدفاع عن نفسه دون ترك له وحيدًا أمام النظام القضائي.

المشاركة السياسية والتمثيل

المادة (16) تلزم الجهات المعنية باتخاذ الإجراءات والأدوات التي تتيح وتيسّر مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في عمليات الترشيح والتصويت في الانتخابات والاستفتاءات بجميع أنواعها. يشمل ذلك مع عدم الإخلال بالقوانين واللوائح المنظمة للانتخابات؛ تهيئة مقار الاقتراع بحيث تكون مادية مناسبة، وتوفير وسائل التصويت البديلة للأشخاص غير القادرين على الكتابة أو الحركة، وتوفير المعلومات الانتخابية بطرق ميسرة حتى لا تتحول العوائق الفنية إلى حرمان فعلي من الحق السياسي الأساسي.

المادة (17) تفرض تمثيلًا مناسبًا للأشخاص ذوي الإعاقة في مجالس إدارة الجمعيات التي تعنى بهم، وفق ما تبينه اللائحة التنفيذية. الغاية أن يكون ذوو الإعاقة ممثلين بأنفسهم في الجهات التي تخطط وتقدم الخدمات باسمهم، ولا أن تُدار شؤونهم بالكامل من قبل الآخرين. هذا يعكس مبدأ “لا شيء عنا بدوننا”؛ حيث لا يمكن صنع سياسة أو برنامج يخصهم دون مشاركة فعلية منهم.

المادة (18) تسند إلى الجهات المعنية مهمة إجراء المسوحات والإحصاءات الوطنية لحصر وتصنيف بيانات الأشخاص ذوي الإعاقة بالتنسيق مع الوزارة. وجود بيانات دقيقة وحديثة عن الأعداد، وأنواع الإعاقات، ومناطق الإقامة، والاحتياجات الفردية، يمكّن الدولة من وضع برامج وسياسات واقعية وفعالة بدل الاعتماد على التقديرات العامة أو التصورات النمطية.

السياسات والاستراتيجيات والبرامج الوطنية

المادة (19) تُلزم الجهات المعنية بوضع وتنفيذ السياسات والاستراتيجيات والبرامج الوطنية التي تهدف لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. بهذا يتحول القانون من إطار نظري إلى خطط عملية يجب على كل جهة حكومية تنفيذها ضمن اختصاصاتها. هذه السياسات يجب أن تغطي الجوانب الصحية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن تراعي الدمج الكامل والمشاركة الفعّالة للأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع.

الحماية في الطوارئ والكوارث

المادة (21) تُلزم الجهات المعنية باتخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان حماية الأشخاص ذوي الإعاقة في الحالات الطارئة، بما في ذلك حالات الخطر والطوارئ الإنسانية والكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات والحرائق والأزمات الصحية. من ذلك إعداد خطط إخلاء ميسرة وسهلة التطبيق، ووسائل إنذار مناسبة تشمل الإنذارات البصرية للصم والمكفوفين، وضمان الوصول إلى مراكز الإيواء والخدمات الأساسية والطبية والغذائية دون عوائق أو تأخير. هذا يضمن ألا يُترك الأشخاص ذوو الإعاقة في خطر عند تعرض المجتمع لأزمة طوارئ.

تيسير الاستفادة من الخدمات العامة والتصميم الشامل

المادة (22) توجب على الجهات المعنية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتسهيل وضمان استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة من الخدمات العامة، والالتزام بمبدأ التصميم الشامل (التصميم العام) في الطرق والمباني والمؤسسات التعليمية ودور العبادة والمراكز الثقافية وأماكن الرياضة والترفيه ومداخل الأسواق ومواقف السيارات وسائر المرافق العامة التي يرتادها الأشخاص ذوو الإعاقة.

التصميم الشامل يعني تصميم المنتجات والمرافق والبرامج والخدمات لكي يستعملها جميع الأشخاص بأكبر قدر ممكن دون حاجة إلى تكييف أو تصميم متخصص. كما تُلزم المادة المصارف المرخصة بتهيئة مبانيها وإتاحة خدماتها بشكل ميسر ومناسب لمختلف أنواع الإعاقة، مثل توفير كوادر مدربة على التواصل مع الصم والمكفوفين، وأنظمة وصول سهلة، وخدمات مصرفية ميسّرة.

الفكرة الجوهرية أن البنية المادية والخدماتية في الدولة يجب أن تُبنى منذ البداية لتكون قابلة للاستخدام من الجميع، فلا يتحمل الشخص ذو الإعاقة عبء “التكيّف” مع بيئة غير مهيأة.

الاستقلال وإمكانية الوصول الشاملة

المادة (23) تقرر أن الدولة تمكّن الأشخاص ذوي الإعاقة من العيش باستقلالية والمشاركة الكاملة في جميع جوانب الحياة، وتكفل لهم إمكانية الوصول على قدم المساواة مع غيرهم إلى البيئة المادية المحيطة، ووسائل النقل والمعلومات والاتصالات والمرافق والخدمات المتاحة للجمهور. كما تلتزم بتحديد العقبات والمعوقات أمام إمكانية الوصول والعمل على إزالتها وفق الشروط والضوابط التي تبينها اللائحة. هذا النص يجسّد الهدف النهائي للحقوق المدنية: أن يكون الشخص ذو الإعاقة قادرًا على إدارة حياته بشكل مستقل، والتنقل بحرية، والوصول للمعلومة والخدمة، والمشاركة في الحياة اليومية دون حواجز مادية أو اجتماعية تُحد من حريته أو اختياراته.

خاتمة

الحقوق المدنية المنصوص عليها في قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة  لا تمثل امتيازات خاصة أو رعاية من قبيل الإحسان، بل هي تأكيد على المساواة والكرامة الإنسانية كمبدأ أساسي وليس استثناء.

كل مادة من هذه المواد تُترجم المبدأ الأساسي: أن الأشخاص ذوي الإعاقة هم شركاء كاملون في المجتمع، يتمتعون بجميع الحقوق والحريات والفرص، ولا يمكن انتقاص أو تقييد هذه الحقوق لمجرد وجود إعاقة.بدلًا من ذلك، يتحمل المجتمع والدولة مسؤولية توفير الظروف والترتيبات التيسيرية والبيئات المناسبة التي تمكّنهم من ممارسة حقوقهم الكاملة بكل حرية وكرامة.

هذا النهج ينقل المجتمع من نموذج “الرعاية والعطف” إلى نموذج “الحقوق والمساواة”، حيث يُنظر للأشخاص ذوي الإعاقة ليس كمتلقين للخدمات الخيرية، بل كمواطنين كاملي الأهلية والحقوق.

المصادر

https://qanoon.om/p/2025/rd2025092/

5.0

مشاركة

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 يناير، 2026
الفكرة الجيدة لا تأتي بالصدفة، بل هي ثمرة بحث عميق، أو ملاحظة دقيقة، أو تساؤل جريء، أو لحظة تأمل صادقة.
0
3
1421
29 أغسطس، 2025
هل يمكن للكتابة أن تغيّر حياة الإنسان؟ نحن لا نتحدث هنا عن كتّاب وُلدوا في بيئات استثنائية أو عاشوا في
2
2
606
21 مايو، 2025
القصة القصيرة فن يعتمد على التكثيف والإيحاء والدقة، حيث تصبح كل كلمة وكل تفصيل جزءاً لا يتجزأ من النسيج العام
0
1
1321
28 فبراير، 2025
تُعد اللغة العربية من أغنى اللغات في العالم وأكثرها تفردًا، فهي ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هوية وثقافة متجذرة في
4
3
1112
14 يناير، 2026
الفكرة الجيدة لا تأتي بالصدفة، بل هي ثمرة بحث عميق، أو ملاحظة دقيقة، أو تساؤل جريء، أو لحظة تأمل صادقة.
0
3
1421
29 أغسطس، 2025
هل يمكن للكتابة أن تغيّر حياة الإنسان؟ نحن لا نتحدث هنا عن كتّاب وُلدوا في بيئات استثنائية أو عاشوا في
2
2
606
14 يناير، 2026
الفكرة الجيدة لا تأتي بالصدفة، بل هي ثمرة بحث عميق، أو ملاحظة دقيقة، أو تساؤل جريء، أو لحظة تأمل صادقة.
0
3
1421
0
البحث