أحببت الرواية كثيرا
نبذة عن الكتاب
الفهرس
لقاء الجذور
إننا كبشر نسعى دوما للتنقيب عن هويتنا الفردية أو الجماعية، ونرسم سماتها بعناصر مشتركة في إطار يميزنا عن الآخرين، نتشبث بتاريخنا المشرق لنرسم منه خريطة ذواتنا لنبحر في مستقبل لا نعلم عنه شيئا.
“ادعى رجل من سكان منهاتن بأن عقد اللؤلؤ المعروض في متحف شارمان فينيز بواشنطن دي سي تعود ملكيته لأسرته، الذي اختفى عنها منذ زمن بعيد أثناء قدوم وفد من العرب إلى ميناء نيويورك في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، حيث تعود هذه الحادثة إلى … ”
- أرجوك اقطع هذا التسجيل الصوتي، لا يمكنني تحمل سماع المزيد، لن أترك إرث أسرتي ينزع بادعاء هذا الرجل الكاذب، لا أستطيع فهم كيف يدعي رجل وقح كهذا ملكيته لشيء لا علاقة له به، تعلم يا ماهر أنه الأثر الوحيد المرتبط بجذوري …
- من يسمعك الآن يا رشيدة يحسب أنك فقدت شيئا عظيما، إنه مجرد عقد من اللؤلؤ لا أكثر، وقد مضى عليه أكثر من ١٧٠ عاما، أي أنه عتيق، لا يصلح حتى لتعليقه على عنق دجاجة.
- ماهر، أرجوك لا تثير أعصابي، أنت فعلا شاب غريب، لو كنت مكاني لأدركت شعوري بالألم لضياعه، قطعت آلاف الأميال قادمة من موسكو إلى نيويورك من أجلك ومن أجل ذلك العقد، تظن أن قيمة الأشياء بمظهرها، شكلها، لونها، لمعانها، لا تدرك القيمة الحقيقية لها.
- ضحكات متكلفة من ماهر محاولا تغطية وقاحة تعليقاته، لقد كنت أمزح معك وصدقيني لا أقصد ذلك، لا أعلم لكن أشعر أحيانا أن دماغي به خلل ما، وأفكاري تتبعثر هنا وهناك، فأقول كلاما غير الذي أعنيه.
ينظر ماهر إلى ساعته التي تشير إلى التاسعة والنصف صباحاً، يبعد كأس القهوة الورقي ماسحا بيده على السطح الخشبي للمقعد وهو يسحب حاسوبه المحمول من حقيبته الصفراء التي لا تفارق ظهره. شعاع دافئ من شمس نيويورك يكشف الستار عن المدينة الصاخبة، مشرد يفترش الأرض بجسده النحيل، وقد كشف الزمن عن تجاعيد وجهه، وثيابه المهترئة، يستيقظ منزعجا من ضجيج السيارات المسرعة التي كسرت هدوء المكان.
- مضى يومان ولم تخبرني عن اختراعك العظيم، أم أن أفكارك أيضا تبعثرت؟ تعلق رشيدة بتهكم.
- لا، هذه المرة لم تتبعثر أفكاري، وإلا لما قبلت طلب مساعدتك الذي بعثته إلي عبر الفيسبوك.
- أرجو ذلك، تعلق بتثاقل، إذن هيا ما الذي توصلت إليه ألاعيبك الإلكترونية أيها الفا … أعني أيها العبقري؟ وهل فعلا سيعمل البرنامج بالطريقة التي شرحتها لي سابقا؟
- لا بأس سأخبرك، لكن لست مسؤولا إن لم تفهمي شيئا مما سأقوله.
- هيا قل بسرعة، ولا تكثر الثرثرة.
- نعم سأخبرك، اهدئي قليلا، كما تعلمين آنسة رشيدة إن البرنامج الحاسوبي الذي عملت على تصميمه يعمل في مسارين: الأول أنه نظام شبكي مرتبط بقواعد بيانات الأفراد، والثاني أنه قادر على التنبؤ بسلوكهم.
- نعم أعلم ذلك، وقد أخبرتني من قبل، ولكن هل يتطلب البرنامج إدخال بيانات الأشخاص المستهدفين؟
- أممم، نعم في مرحلته الأولى لابد من وجود كم من البيانات الأساسية لعينة كبيرة من الأفراد الذين يشكل سلوكهم مرجعا للتنبؤ بردة أفعال الآخرين.
- ربما فهمت هذه النقطة، هيا أكمل.
تقترب رشيدة بجسدها من ماهر وهي تتأمل في شاشة الحاسوب المحمول الذي يظهر فيها حقول فارغة مخصصة لإدخال بيانات وأخرى أرقام وإحصاءات تشير إلى معدل التغير.
- دعيني أوضح لك بشكل مبسط،؛ كما تعلمين أنه من الأشياء التي عرفناها في دراستنا الجامعية في علم النفس، أن سلوك الأشخاص في غالب الأحيان ما هو إلا فعل أو ردة فعل لدوافعهم، هذا إذا ما قصدنا به ذلك السلوك المقصود، أيا كانت تلك الدوافع أساسية أو ثانوية، وإذا تمكنا من وضع قائمة الدوافع من جهة والفعل أو ردة الفعل المحتمل، فإننا نستطيع التنبؤ بما سيفعله الأشخاص بدرجة عالية من الدقة، مهما يبلغ السلوك البشري من تعقيد.
- أظن أنني فهمت المبدأ الذي يعمل عليه البرنامج، وهل تعتقد أن ابتكارك هذا سيساعدني في إثبات حق أسرتي بذلك العقد؟ أم أنه سيكون كغيره من اختراعاتك الفاشلة، تدفع رشيده بشعرها البني المنسدل من مقدمة رأسها.
- لا أستطيع أن أعدك رشيدة، لكن أحسب أنه سيوصلك إلى غايتك.
من خلف عمود الإنارة تتأمل رشيدة في ذلك الرجل العجوز ذو البشرة السمراء، والذي اتخذ موضعا قريبا منهما، وهو يلف سيجارته، يلتفت يمينا ويسارا وكأنما يبحث عن شيء ما، يصوب بصره بين الحين والآخر في المارة من حوله، لا تبدو عليه هيئة سكان نيويورك، أو هكذا تظن رشيدة – التي أُشبعت مخيلتها بجمال وأناقة سكان هذه المدينة – فثيابه البالية وجسده النحيل لا يوحيان سوى بالفقر والجوع، ربما قدم من مدن أخرى أو ربما قد اعتاد على التسول والتسكع بين المارة، لعل أحدا ما يجود عليه بشيء من المال.
- رشيدة، أعلم أن هذا العقد له أهمية لأسرتك، لكن ما لا أفهمه أبدا هو لماذا تجهدين نفسك لقطع آلاف الأميال للبحث عنه؟! أظنك لو قطعت 10 دقائق من مكان إقامتك في موسكو لوجدت عشرات المتاجر التي تعرض عقدا من اللؤلؤ أجمل من ذلك العقد العتيق بمئات المرات.
- بصراحة لا أعلم متى ستفهم معنى أن تلتصق بجذورك وهويتك، إن هذا العقد هو ما يثبت هويتي وتاريخ أسرتي، وهو الشيء الوحيد الذي طالما حدثتني عنه أمي، كانت دوما تحدثني عن تاريخ أمتنا، وكيف طرد أجدادنا الأبطال الغزاة وطاردوهم في البحار، وكما قلت لك آلاف المرات هذا العقد هو ملك لجدي الأكبر الذي كان أحد رجال البعثة العربية التي أبحرت من زنجبار إلى نيويورك، وقد ضاع عن رفاقه كما ضاع العقد عن صاحبه.
- وما الذي يؤكد ملكية جدك الأكبر كما تدعين لهذا العقد؟ فربما ليس هو ذاته المفقود الذي نشرته الصحف، فربما يكون الرجل الذي ادعى ملكيته لذلك العقد صادقا فيما يقول.
- لا إن جدي الأكبر قد أبلغ السلطات في نيويورك حينها عن فقده لهذا العقد، وقامت الشرطة بالتحقيق مع بعض الأشخاص المشتبه في تورطهم بسرقة العقد، ولا يعقل أن يكون هناك أكثر من عقد مفقود لحدث لم يحدث سوى مرة واحدة، وإن سلمنا بصحة ادعاء الرجل؛ فهل يعقل أيضا أن يتزامن الحدث في نفس المكان والزمان؟ هذا أمر مستحيل يا ماهر.
- ومن أين معلوماتك هذه؟
- الوثائق التي ورثتها أسرتي والتي تفسر هذه الحادثة، وما جرى فيها من أحداث، ومن بينها مذكرات المحقق الذي أجرى التحقيق، وبين فيها وصفا دقيقا للمشتبه فيهم.
- هل يعقل ذلك؟! أشك فيما تقولينه يا رشيدة، إن كلامك هذا لا يصدق.
- إن كنت تعتقد ما أقوله غير صحيح، فاضرب رأسك في هذا العمود وستدرك حينها إن كان صحيحا أو لا.
مرسى نيويورك ١٨٤٠م
“تاريخ كل أمة خط متصل، و قد يصعد الخط أو يهبط، و قد يدور حول نفسه أو ينحني و لكنه لا ينقطع”
محمد حسنين هيكل
يقف رئيس مجلس النواب معلنا انتهاء الجلسة، والذي بموجبه تقرر إقامة برنامج استقبال رسمي خاص بالبعثة العربية القادمة إلى مدينة نيويورك في ٣٠ أبريل ١٨٤٠م – أي قبل ٤ أيام – على متن السفينة “سلطانة”، بعد ٨٧ يوما في عرض البحر قاطعة حوالي ١٠ آلاف ميل بحري.
يا رجال، هيا انزلوا كل البضائع، ينادي السيد أحمد بن النعمان رئيس البعثة على رجاله:
ضعوا كل صنف في مكانه، تأكدوا من وضع ١٠٨ قطع من عاج سن الفيل، و ١٠٠٠ قطعة من الجلد المجفف على يمين المرسى، وأيضاً تأكدوا من حمل ١٣٠٠ كيس من التمر، و ١٠٠ كيس من البن اليمني، و١٣٥ كيس من القرنفل الأفريقي على الجهة المقابلة، أما ٨١ كيس من الصمغ العربي يجب أن تبعدوها قليلا عنها؛ لكي لا تختلط رائحتها مع التمر والبهارات الأخرى.
صراع الانتخابات في أوج مراحلها بين الأحزاب الأمريكية؛ حيث سيطر الديموقراطيون على الرئاسة طوال السنوات العشر الأخيرة؛ ففي عام ١٨٢٩م تولى الرئاسة أندرو جاكسون، الذي كان عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية تينيسي، تلاه في الحكم نائبه مارتن فان بيورين عام ١٨٣٧م، وها هي حمى الانتخابات تبدو جليه في شوارع نيويورك المدينة الصاعدة بسكانها الذين يتجاوز عددهم الثلاثمائة ألف نسمة.
وبينما تسدل الشمس ستارها معلنة نهاية يوم صاخب في مدينة نيويورك، فجأة يشد جون لجام حصانه فتتمايل عربته يمينا وشمالا، محاولا تجاوز جسد مستلقٍ على قارعة الطريق ..
- هيه أنت … يا رجل، ابتعد من هنا، كادت عربتي تنقلب بسببك، يصرخ جون وهو يصوب بندقيته نحو الرجل.
يقف الرجل مذعورا، وكأنه في حلم غير قادر على استيعاب ما حوله، فربما غط في نوم عميق، فعينيه الغائرتين وشعر لحيته الطويل، وثوبه الأبيض المصفر الذي يغطي جسده حتى منتصف ساقيه، وعمامته الدائرية الملونة التي تطوي أعلى رأسه، وجسده الشاحب الذي أنهكه طول السفر، كلها علامات أكدت لجون أن الرجل ليس من سكان هذه المدينة، ولا تشير ملامحه وهيئته أنه من المهاجرين الذين قدموا إلى أرض الأحلام، لا يشبه الإنجليز ولا الإيرلنديين، ولا الأسبان، ولا السكان الأصليين لأمريكا، ولا حتى الأفارقة.
- من أين أنت؟ وماذا تفعل هنا يا رجل؟ وماذا تحمل في يدك؟ أخرج ما لديك بسرعة، هيا، هيا، يصرخ جون بصوت عال من على عربته محاولا إخافته.
يقف مسعود رافعا يده، دون وعي، وهو يطوي تحت ذراعه الأخرى حقيبته الجلدية التي أكلها الزمن.
يحاول مسعود فتح عينيه التي لازال النعاس والإرهاق يغشاها، لا يكاد يرى من الرجل سوى قبعة الرامي الرمادية التي كان يفضلها معظم راكبي الخيول عن قبعة التهدل التي تتطاير مع الريح.
يقفز جون من على عربة الحصان وقد بدا أكثر وضوحا بشاربه العريض وعينيه الجاحظتين، فيهم بنزع حقيبته من تحت يده بخشونة، مما يدفع مسعود إلى ردة فعل قاسية محاولا منع الأخير من سحب الحقيبة، يتصارع الاثنان على الحقيبة فتسقط علبة طعام وبعض ملابسه الشخصية، فيستشيط مسعود غضبا لولا أن رآهما أحد عمال المرسى المحاذي للطريق، وتوجه مسرعا وهو يصرخ بأعلى صوته:
- سيدي … سيد جون، أرجوك دعه، أظن هذا الرجل من رجال البعثة العربية التي قدمت قبل أيام قليلة.
- ما إن يسمع جون ذلك حتى يبتعد فورا عن الرجل وهو يشعر بالحرج من تصرفه هذا، ينهض مسعود وهو ينفض عن ثيابه التي لم يبق للبياض فيها مكانا.
ليتقدم بعدها جون لمساعدته في انتشال حاجياته التي تساقطت في كل مكان، وقد اختلطت بالوحل الذي يملأ أطراف الطريق ..
وعلى غير عادته، يعرض جون على مسعود حمله في عربته ليستضيفه في بيته ليأوي فيه حتى شروق الغد. وكان لابد للأخير من الاستجابة لدعوته، على الرغم من قلقه الشديد من جون الذي لم يكن في وجهه شئٌ ينم عن الخير، إلا أن برودة الطقس ووحدته في هذه البلاد الغريبة تدفعه لقبول دعوته.
هبوب رياح الشمال يجعل الطقس أكثر برودة، على جانبي الطريق الممتد على طول المرسى، يتجاوز جون بعربته التي يجرها حصانه المنهك، ومشهد مصابيح الغاز – التي بدأت في الانتشار في بعض الأماكن العامة في المدينة – قد أثارت انتباه مسعود إليها وربما أنسته ما حدث معه قبل لحظات.
وما إن تمضي الدقائق حتى بدأت مشاعر القلق لدى مسعود تتبدد شيئا فشيئا بعدما تأكد أن الذي معه من تجار المدينة، كما فهم جون أن مسعود قد ضاع عن رفاقه الذين وصلوا إلى الميناء على متن السفينة سلطانه، لكن نظرات مسعود المتكررة إلى الحصان قد أزعجت جون الذي لم يسبق أن رأى رجلا يحدق في حصانه كما يفعل هذا الرجل.
- مضت أكثر من نصف ساعة وأنت تتفحص حصاني أما وجدت شيئا لتنظر إليه؟ أم أن لونه البني يزعجك؟ يعلق جون ممتعضا.
يعلق مسعود بلكنة إنجليزية شرقية:
- لا لا .. كنت فقط أتأمل صنف هذا الحصان، أهو إنجليزي؟!
- أمم .. نعم ولم هذا السؤال؟
- لا، لا شيء، فقط من باب الفضول، إن طول واستقامة رأسه ورقبته، وصدره العميق والعريض ونحافة قوائمه تشير جميعها إلى أنه إنجليزي.
- وهل لهذه الدرجة يهمك نوع الحصان وجنسه؟ يعلق جون مستنكرا.
- كما تعلم نحن من بلاد العرب، والخيل هي شغلنا.
- أها، نعم، وهل بلاد العرب بعيدة؟
- نعم، إنها بعيدة جدا جدا عن هذه الأرض، ستحتاج إلى شهور حتى تصل إليها.
- إذن هي بعيدة عن بحر الظلمات، وهل هي كبيرة؟
- أووه إنها كبيرة جدا، منها جزيرة العرب، والعراق، والشام، ومصر، ولو أردت أن تطوف بحصانك هذا حولها لمات تعبا قبل أن يكمل مدينة واحدة فيها.
- أيعقل ذلك؟ أنت تبالغ كثيرا يا رجل، ربما أثرت رحلة البحر عليك، دع عنك هذه المبالغات. .
يقترب الاثنان من منزل خشبي مسقف بعوارض مدببة، تعلوها فتحة التدفئة التي يخرج منها الدخان، منزل يمكنه لمحه من بعيد، فمساحته الواسعة وألوانه البيضاء الممزوجة بالقرميد الأحمر، والحشائش المزروعة التي تحيط بجوانبه، والذي يوحي بيسر حال ساكنيه عن غيرهم ممن هم في نفس الحي.
يشد جون لجام حصانه العجوز، مستديرا نحو حضيرة الحيوان لا يكاد يسمع فيها سوى أصوات خافتة لقباع الخنازير وعرير الصراصير التي تكاد تملأ المكان.
- لقد وصلنا يا رجل هيا … تعال معي، يمكنك النوم هنا، يشير جون إلى الباحة الخارجية المسقفة المجاورة للحضيرة والتي تستخدم كمطعم للحيوانات في النهار ثم يلقي عليه غطاء صوفيا يكاد يغطي جسده.
لم يعلق مسعود بشيء حول مكان نومه، فعلى الرغم من الروائح الكريهة لروث الحيوانات التي تطغى على المكان إلا أنه بكل تأكيد أفضل من النوم على قارعة الطريق. ينزع مسعود حقيبته الجلدية ليتوسد عليها، ربما خوفا على فقدها، فهو لا يعلم هذا الرجل ولا المكان الذي هو فيه، إلا أن شعوره بالجوع أنساه خوفه الذي لم يفارقه منذ أن ضاع عن رفاقه. على السرير لا يختلف طول ليل أبريل في نيويورك عن ليل شرقي أفريقيا، لكن الأوهام والتساؤلات الكثيرة جعلت انبلاج الصبح أبعد بكثير. وكلما حن قلبه شوقا لبلده أخرج صندوقا صغيرا من حقيبته، والذي شدت جميع زواياه بقطعة قماش، وما إن يفتح الصندوق حتى تتسابق ذراعيه لضمه إلى صدره.
الإنسان عدو نفسه
“إن هذه الذكريات شاقة على النفس يا صديقي، إنها تطعن قلبك مرة ثم يبقى الجرح نازفاً إلى الأبد”
فيودور دوستويفسكي
بينما كانت رشيدة تحاول إقناع ماهر حول حقيقة ما حصل للعقد الذي فقده جدها الأكبر، كان الأخير والذي يصعب إقناعه بشيء، يحاول إظهار شكوكه حول ما تقوله:
- فهمتك، ولكن رشيدة إن كان ما تقولينه صحيحا، وأن حزنك هذا من أجل هذا العقد … فأظن أنني لو … لو كنت مكانك لاشتريت عقدا آخر أجمل منه.
تصمت رشيدة، ثم تنفجر غضبا من ماهر
- أف … أف لا أعلم كيف أشرح لك، لكن ستدرك لماذا هو مهم لهذه الدرجة، لتعلم أنه قد تم الإعلان عن مزاد لبيع هذا العقد قبل ادعاء ذلك الرجل الكاذب ملكيته للعقد، وقد أوضحت التقديرات الأولية أن قيمة العقد تتجاوز مليون دولار أمريكي.
- ماذا قلت؟! كم … كم؟! كم قلت؟! مليون! مليون دولار لعقد باهت؟!
- نعم، هذا صحيح، كما سمعت، أنك فعلا شاب مادي بامتياز، عندما كنت أحدثك عن أهميته التاريخية أخذت بالاستهزاء به، والآن تبلع لسانك مصدوما من قيمته.
- في الحقيقة لم يخطر ببالي أن عقدا من اللؤلؤ الباهت كهذا سيصل إلى هذه القيمة، إذن ما رأيك أن نتقاسم المليون معا؟ يعلق ماهر باستهزاء.
- إلا أن رشيدة تظل صامتة متجاهلة سؤاله الذي يحاول فيه التخفيف من غضبها، بعد تعليقاته الساخرة الذي كان باديا على وجهها، تلف بوجهها بعيدا عنه، وتسحب جسدها شيئا فشيئا، وقد اثنت ذراعيها حول صدرها منغلقة على نفسها.
يتوقف الاثنان عن الحديث برهة من الزمن، وبدأت ذكريات رشيدة تتراءى أمامها وهي تنظر بعينين فارغتين إلى خاتم يلف أصبعها الصغير مزخرف بنقوش شرقية، حينما هاجرت أسرتها من جزيرة زنجبار عام ١٩٦٤م بعد أن شنّ الثوار العنصريون حملة على العرب بالقتل والتعذيب دون تمييز بين الكبير والصغير، فركبوا البحر هربا حتى وصلوا إلى ساحل الخليج العربي، ومنها انطلقوا حتى استقر بهم الحال في أرمينيا التي مكثوا فيها سنتين، لكن صعوبة الحياة فيها آنذاك دفعتهم بالهجرة إلى موسكو عاصمة الاتحاد السوفيتي آنذاك.
- رشيدة، رشيدة، هيه، يحرك ماهر يديه ملوحا أمام عينيها.
- ماذا هناك؟ ما الذي حدث؟
- ههه، كأن ذهنك قد غادر بعيدا، إلى أين ذهبت؟ انظري إلى نفسك هنا، إن وجهك يبدو مضحكا أليس كذلك؟ ضحكات استهزاء من ماهر.
تنظر رشيدة إلى عدسة التصوير الأمامية لهاتف ماهر المحمول، لتعكس الشاشة وجه فتاة بيضاء، في العشرينات من عمرها، بعينيها العسليتين، وشعرها البني الغامق المنسدل من كتفيها بحرية، بارزا شحمة أذنيها المزينتين بأقراط ذهبية مدببة، وشامة صغيرة سوداء أسفل شفتيها تضفي مزيدا من الجمال والرقة على وجهها. تدفع الهاتف بعيدا عنها، وهي تنزع غطاء رأسها الزهري المزخرف بنقوش نباتية دقيقة والذي اعتادت على تغطية جزء من شعرها.
- يبدو أنك قد انزعجت من شكل وجهك، أليس كذلك؟ انظري هنا، محاولا التقاط صورة لها.
لكن رشيدة لا تتجاوب معه، وتظل صامتة.
- صدقيني كنت أمزح معك، ولن أفعلها مرة أخرى، هيا اجلسي بجانبي، لن أفعلها مرة أخرى.
يضع ماهر الهاتف في جيبه بعدما شعر باستيائها من تصرفاته الطائشة، يقترب منها شيئا فشيئا، محاولا تهدئتها، ثم يأخذ كوب القهوة ليرشف ما تبقى منها.
فجأة يرن هاتف ماهر مصدرا صوتا عاليا، واهتزازا ارتعش معه جسد رشيدة التي أدركت حينها أن كتفها كان مستندا على جسده.
- مرحبا أمي، آسف لم أبلغك بأني سأغادر مبكرا اليوم.
يقف ماهر من مكانه مبتعدا قليلا عن رشيدة، وهو يمسح على ذقنه الرفيع الذي بدأت تنبت فيه شعرات سوداء متفرقة، تتدلى من رسغه ساعة جلدية رمادية، وتوحي ملابسه بشخصية واثقة ومسالمة ..
- نعم طلبوا مني ضرورة تجديد تأشيرة اللجوء، وقد أصروا على اصطحاب وثيقة أخرى من السلطات في بلدنا، لا بأس سأبلغك بذلك حين عودتي.
يغلق ماهر الاتصال، وتبدو على عينيه مشاعر الحسرة والألم، وكان ذلك كافيا لتعلق رشيدة:
- يبدو أن هناك أمرا سيئا قد حدث يا ماهر؟ هل حدث مكروه لأحد إخوتك؟
- لا، إنها مجرد إجراءات روتينية اعتدنا على فعلها ما دمنا لاجئين في هذا البلد.
- إنه فعلا أمر في غاية التعقيد، ولكن … أقصد هل لا زالت الحرب في بلدكم مشتعلة؟
- ماذا قلت؟ الحرب؟ بل قولي حروبا، إنها لا تنتهي في بلادنا حتى نسلخ من جلودنا أو ننزع من أرضنا، هي الحياة هكذا، حتى وإن توقفت الحرب فإن حروبا أخرى تندلع، وليس أبسطها صراعنا المستمر مع الفقر والجوع والجهل، وكما تعلمين فإن هجرتنا إلى هذا البلد كان قسرا وليس برغبة منا، لكنا نحاول أن نبقى أحياء على الأقل.
حينها تذكرت رشيدة تلك المقولة التي نشرها أحد زملائها على صفحة الفيسبوك مقولة لسيجموند فرويد، والتي جاءت في كتابه المعروف “قلق في الحضارة“؛ حيث أوضح فيه إن “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان. مَن سيكون شجاعًا بما يكفي للتشكيك في هذه الحقيقة المؤكدة؟” على الرغم من أنه قد قالها منذ أكثر من ٨٠ عاما إلا أنها واقع يعيشه الكثير من البشر حول العالم.
حيث يرى فرويد أن الإنسان هو العدو الحقيقي لنفسه، وأن الحضارة الإنسانية مهددة إذا لم يتغير سلوك البشر نحو بعضهم البعض، وربما ما قاله فرويد صحيحا، لكن ذلك كان مما عاصره في الحرب العالمية الأولى، وما نتج عنها من قتلى ودمار، وانتشار لمعاداة السامية في أوروبا، وربما ما يحدث للبشر من حروب ودمار في هذه الأوقات هو أمر مختلف، هل يعقل أن البشر لا زالوا ذئابا؟! لا أدري فربما ينام الذئب في دواخلنا، وما إن يشعر بقرب فريسته يصحو ليهم بافتراسها.
تنظر رشيدة إلى السماء وهي تتأمل في تلك السحب القادمة من الشرق محاولة حجب ضوء النهار عنهما، تتحرك بضع خطوات إلى الأمام.
- رشيدة … ماذا بك؟ إلى أين تذهبين؟
- لا، لا، فقط أحاول استنشاق المزيد من الهواء.
لا يزال ذهن رشيدة مشغولا بشيء ما، وقبل أن يستأنف ماهر سؤاله، علقت رشيدة متسائلة:
- لا أعلم لماذا، على الرغم من أنّ دراستنا في علم النفس قد أطلعتنا على آراء وأفكار الكثير من العلماء والمنظرين إلا أن فرويد كان مختلفا عنهم جميعا، تشعر دائما بمنهجيته المميزة في أطروحاته، أليس كذلك؟
- وهل هذا ما يشغل بالك؟ ظننت أن هناك أمرا أكثر أهمية، لكن دعيني أقول لك، شخصيا لا أتفق مع الكثير من آرائه، لكنني مؤمن أنه قد أثار فضول العلماء والباحثين في ذلك الزمان.
- قرأت مرة عن نظريته التي يرى فيها أن الجنس هو أصل الشرور، أظنك تعلم شيئا عنها؟
- أخبرتك رشيدة، أرى أن كثير من نظرياته غير مقنعة، كيف يمكن أن يتحكم الجنس في علاقاتنا بالآخرين، هذا شيء لا يعقل.
- اختلف معك ماهر، فالدافع الرئيسي لمعظم سلوك البشر هو فعلا الجنس، فعلى الرغم من إنكارنا لذلك فإن الواقع يقول أن أكثر الناس اتزانا وحكمة يعاني بشكل كبير من كبح شهوته الجنسية، وإلا لما اهتزت صروح بعض المؤسسات الدينية والمنظمات والقادة بفضائح من هذا النوع.
يسحب ماهر قنينة الماء ليروي الجفاف الذي يغشى بلعومه، وهو يتأمل في رجل وامرأة يخرجان من سيارة الأجرة، يودعان بعضهما بقبلات دافئة ليتجه كل واحد في طريق مختلف.
فجأة يقترب رجل أسمر البشرة كبير في العمر يرتدي قبعة صوفيه عتيقة، وهو يطوي أحد ذراعيه وراء ظهره ليسند بها جسده المنحني، يتمايل في مشيته، وقد بدا جسده منهكا، إنه ذاته الرجل الذي ظل واقفا خلف عمود الإنارة، ودون سابق إنذار يجلس بجانب ماهر، الذي ابتعد قليلا لتجنب ملامسته.
- هل يمكنني الحديث معكما قليلا؟ يعلق الرجل.
يتعجب الاثنان من سلوكه الغريب، وهما يهزان رأسيهما مرحبين به توقيرا لكبر سنه
- هل أنت الآنسة رشيدة؟ مشيرا بأصبعه إليها.
يندهش الاثنان من سؤال الرجل، حينها بدأت مشاعر الخوف والفضول تحيط برشيدة، متسائلة في نفسها، من هذا الرجل؟ وماذا يريد؟ لا تذكر أنها شاهدته من قبل.
- وكيف تعرفني؟ هل التقينا في مكان ما سابقا؟ تعلق رشيدة بتوتر.
- إنها قصة طويلة عزيزتي، لكن لا أستطيع إخبارك أمام هذا الشاب.
يرمق ماهر الرجل بعينيه مستنكرا تعليقه الأخير، وقد استفزته هيئته الغريبة وسلوكه الذي لا ينم عن احترام للآخرين.
- وما شأنك أنت فيها؟ إذا كنت تبحث عن المال فليس لدينا شيء، اذهب بعيدا، يعلق ماهر غاضبا.
- ماذا بك يا ماهر، اهدأ قليلا، ربما هو جائع؟
- لا رشيدة، إنه ليس بجائع، صدقيني، إنه رجل متسول، لو كان جائعا لذهب إلى مكان آخر.
حينها بدأت رشيدة تشعر بالقلق، فربما يكون فعلا رجل متسول، لكن كيف عرف اسمها؟ هل شاهدها في مكان ما؟ تساؤلات تحيرها وتخيفها في آن واحد.
- هل أنت من سكان نيويورك؟ أم جئت من مكان آخر؟ تعلق رشيدة
- أنا … أنا من كل مكان، من نيويورك وغيرها، أحاول أن أعيش يومي كما أنا، وما أرجوه كل يوم هو أن أصحو كل صباح وأنا على قيد الحياة لكن كما تعلمين بأن الحياة هنا قاسية، يزداد هنا قيمة مظهرك وتأنقك على كل شيء، يا عزيزتي في هذه المدينة الصاخبة يعيش فيها معظم السكان غرباء، ويغادرونها غرباء، هنا كل شيء يتحرك بسرعة، حتى لا يكاد الناس يلتقطون أنفاسهم، هنا يعيش الناس لجمع المال، وبه تقاس منزلتك.
تهز رشيدة رأسها مصغية إلى كلامه، وهي تشعر أن هذا الرجل الغريب وراءه شيء في غاية الأهمية، وربما يكون هذا الأمر له علاقة بها.
- أعلم أنكما خائفان مني، لكن لا بأس سأترككما الآن، يعلق الرجل، لكن تذكري يا رشيدة أن الحق سيعود لصاحبه يوما ما، تذكري ذلك جيدا.
وقبل أن تستطيع رشيدة الرد على مقولته الأخيرة، ما هي إلا بضع ثواني حتى اختفى الرجل بعيدا بين المارة الذين ازدادت أعدادهم مع مرور الوقت.
حساء حار
“الحياة جدل بين الذوق والتذوق”
فريدريك نيتشه
مع شروق شمس نيويورك، يقف أحمد بن النعمان قائد البعثة العربية أمام أعيان ورجال نيويورك بلحيته الكثيفة وعمامته الملونة وعباءته السوداء المطرزة بخيوط فضية وذهبية، وبهيئته التي تنم عن شخصية رزينة وهادئة، متحدثا بلكنة إنجليزية متقنة:
يسعدني أن أقدم لكم تحيات مولانا المعظم وتمنياته للشعب الأمريكي دوام التقدم والازدهار، كما يطيب لنا أن نقدم لكم هدايا مولانا السيد سعيد للرئيس الأمريكي، فليتفضل سموكم باستلام الهدايا، يشيح القائد النعمان عن صندوق الهدايا والذي احتوى أجود أنواع العطور والنفائس، وعقد من اللؤلؤ يتوسطه دانتان كبيرتان، ومن ورائهم حصانان عربيان أصيلان يجرهما رجلان نحيلان.
يتزاحم الناس حول رجال البعثة، فمنهم من شده غرائب البضائع التي قدموا بها للتجارة، ومنهم من زاغت عيناه نحو النفائس، إلا أن أغلبهم قد لفته شكل وهيئة هؤلاء البشر القادمين من الشرق، فثيابهم وألوانهم وأخلاقهم وطرق تعاملهم، كلها أثارت فضولهم للتعرف على هذا الشعب الغريب عن سكان المدينة.
يفتح مسعود عينيه على صوت امرأة تنادي من بعيد
- يا رجل، هيه … يا غريب … الطعام جاهز، هيا انهض، تعلق المرأة الواقفة خلف السياج الخشبي.
يقف مسعود مباشرة متجها نحوها، كاشفا عن وجهه الذي عصف به الجوع والإرهاق، ليجد أمامه امرأة بشعرها المائل للحمرة، وعينيها الخضراوين، تقف مارجريت مرتدية مشدات بيضاء ضيقة من الدانتيل بأكمامها الطويلة الضيقة مع تنورة منفوشة مطرزة بزخارف بسيطة التي انتشرت بين النساء الأمريكيات في العصر الفيكتوري
تطلب المرأة من مسعود مرافقتها إلى داخل المنزل، لا أثر فيه لأي أحد سوى ثلاثة أطفال يتناوبون على نقل أعواد الخشب إلى موقد الطعام مثبت على الزاوية المكشوفة للمنزل.
على مائدة طعام مربعة من الخشب يجلس مسعود وقد اقتربت منه السيدة مارجريت زوجة السيد جون :
- خذ هذا حساءك، تدفع بالإناء الخزفي إلى مسعود.
يهز الأخير رأسه شاكرا، وعيناه تتجنبان النظر إلى وجهها.
- سمعت أنك أحد أفراد طاقم السفينة التي قدمت إلى ميناء نيويورك، هل هذا صحيح؟
وقبل أن تتلقى ردا من مسعود، تباغته بسؤال آخر:
- صحيح، أين أصحابك؟ وكيف ضعت عنهم؟
ربما قد أخبرها السيد جون بكل شيء، يتساءل مسعود في ذهنه.
- لقد كنت مع أصحابي الذين تهت عنهم ولا أعلم إلى أين ذهبوا، يجيب مسعود بصوت متردد.
- من الغريب أن يتركوك وحدك في بلاد لأول مرة تزورها، أليس كذلك؟
- إنهم رفقاء مشاكسون وغير مبالين أحيانا، لكن يبقى ارتباطي بهم وثيقا، حيث يجمعنا وحدة المصير وكسب الرزق.
- وهل كلكم من العرب؟ نحن لا نعرف كثيرا عنكم.
- لا، لا نحن على ما أحسب ٥٦ فردا خليط من بلدان متعددة، من العرب والأفارقة والهنود والإنجليز والبرتغال وأيضا من فرنسا، وبيننا امرأتان انجليزيتان
- ماذا قلت .. امرأتان؟!
- نعم أحدهما تدعى روبرت نورثورذي زوجة أحد التجار الإنجليز في مسقط، ووصيفتها شارلوت طومسون كانتا معنا في نفس السفينة لـ ٨٧ يوما.
- ماذا قلت؟ 87 يوما؟! علامات الاستغراب تبدو جلية في وجه مرجريتا، ولكن كيف تمكنتا من تحمل هذه الرحلة وسط عدد كبير من الرجال؟!
تسحب مارجريت مقعدها وتجلس بالقرب من مسعود، والذي شعر بعدم الراحة من جلوسها بقربه على نفس المائدة.
يزحف مسعود بمقعده مبتعدا قليلا عنها.
ردة فعل غاضبة من مارجريت تدفعها للنهوض مبتعدة عنه.
- أتخجل من النساء يا رجل؟ تعلق مارجريت غاضبة.
- أمم … لا لا، كنت أحاول مسح ظهري قليلا على هذا المقعد.
يصمت الاثنان برهة من الزمن، ونظرات مارجريت لا تنفك من النظر إلى مسعود وهيئته الغريبة بالنسبة لها، وقد زاد فضولها لمعرفة المزيد عن هذا الشعب.
- أمم، سيدي هل أنت متزوج؟
- من؟ أنا … مسعود متلعثما.
- نعم، وهل أحد غيرك هنا؟ هيا أخبرني نحن بمفردنا، لا تقلق.
- بصراحة تقدمت لخطبة ابنة عمي، ولكن …، ولكن …
- ولكن ماذا؟ هل ماتت؟ تعلق مارجريت وعيناها تتسعان.
- لا، لا، لم تمت، لقد رفضت الزواج مني، يعلق مسعود وعلى وجهه علامات الانكسار.
- أها، حسبت أن مكروها قد حدث لها، وما المشكلة إن رفضتك، ألا توجد لديكم فتيات جميلات أخريات؟
- نعم هناك الكثير منهن، لكني أحببتها ولا أريد غيرها.
- كم هي محظوظة هذه الفتاة، لقد وجدت رجلا قويا يعشقها مثلك، ولكن … هل نساؤكم تشبهنا؟ أعني هل لديهن شعر وعيون مثلنا؟ هل يرتدين مثل ملابسنا هذه؟
- أممم، نعم إنهن بشر مثلكم تماما، لديهن عيون وأطراف وكل شيء مثلكم، إنهن بشر، ألم تر امرأة عربية من قبل؟ ربما الاختلاف في الألوان لا أكثر؟
- وماذا تعني بألوانهن؟ هل بشرتهن زرقاء أم خضراء؟
- هههه، لأول مرة ينفجر مسعود ضاحكا.
- أعني أن لون عيونهن غالبا ما تكون داكنة، وشعرهن كذلك، وبشرتهن تميل بين البياض والسمرة، لكن لا يظهرن أجسادهن للغرباء مثل تحرركم هنا.
- وهل نحن عرايا؟! يا رجل إن كان مظهري يؤلمك فارحل من هنا، تقف مارجريت غاضبة.
- لا، لا … آسف سيدتي، لقد أسأت فهمي، يقف مسعود مبررا كلامه.
تترك مارجريت مائدة الطعام لتقف أمام النافذة المطلة على الطريق، يسحب مسعود شطيرة الخبز التي لم يستسغ نكهتها، لكن الجوع يجبره على أكل أي شيء.
- قل لي أيها الرجل، هل جئتم إلى نيويورك للتجارة أم ماذا؟
- أممم … يمكنك القول ذلك، لقد اصطحبنا بضائعنا من الشرق للتجارة معكم.
- قلت الشرق؟! إذن لابد أنكم أحضرتم شيئا من البهارات؟
- نعم، نعم بهارات منوعة من القرنفل وغيرها.
- وهل اشترى زوجي جون شيئا مما لديكم؟
- بصراحة لا أعلم، لقد طلبنا من شركة أمريكية وسيطة لبيعها في أسواق نيويورك، لكن في الحقيقة نحن جئنا هنا لمد يد الصداقة والتعاون معكم.
- كل هذه المسافة التي قطعتموها من أجل مد يد الصداقة؟!
- ربما تعلمين بأن السيد سعيد حاكمنا العظيم رجل يسعى للسلام ومد يد الصداقة للشعوب والأمم في مختلف بقاع الأرض.
صوت عربة قادمة من بعيد يلفت نظر مارجريت، إنه جون قد عاد مبكرا على غير عادته.
هيا يا رجل، يظهر جون وهو يرتدي “النير”، والذي هو قطعة من لباس الرجال التي توضع حول الرقبة والكتفين لحماية الأجزاء الأكثر مرونة من القميص ذو الأكمام الطويلة البيضاء، وسروالاً بنيا من الصوف.
- يتوجه مسعود مسرعا نحو الحقيبة التي لاحظ أنها قد تحركت عن موضعها السابق، لكن الأمر لم يكن يتطلب منه التفكير في تلك اللحظة، فجون رجل سريع الغضب وقليل الصبر.
في الطريق يكشف النهار عن حقيقة مدينة نيويورك التي تنمو باضطراد، فمشهد المباني والمنازل تصطف على مسافة طويلة، محال تجارية، ومخابز، ومصانع الفولاذ، كلها تصطف بجانب بعضها، كأنها خليط من الأفكار تتزاحم لبناء أرض الأحلام.
يقف جون فجأة، فتتأرجح العربة، ويحاول مسعود التشبث بأحد أطرافها البالية فتنكسر.
- ماذا فعلت أيها الرجل؟ يصرخ جون.
- إنها خشبة بالية لم أقصد كسرها.
- إذن لن أتحرك حتى تصلحها أو تدفع قيمة إصلاحها.
- لكني لا أملك شيئا سيد جون.
- إذن لن أتحرك، ولن أنقلك إلى أصحابك، أو سآمر بحبسك فأنا رجل معروف كما تعلم ولدي علاقات خاصة مع شرطة المدينة.
- ما رأيك سأصلحها لك عندما نصل؟
- لابد أن تصلحه الآن.
بعد تعنت وإصرار جون، يقفز مسعود من العربة ليأخذ القطعة المكسورة، ونظرا لاعتياد مسعود على ظروف الحياة في الرحلات البحرية، فقد تمكن من تثبيت القطعة بمعجون لزج من الوحل وورق الشجر المتناثر منتشر على طول الطريق، والذي كون مادة لاصقة مؤقتة
- لقد انتهينا، يعلق مسعود.
- لا بأس لقد سامحتك الآن، هيا اركب، هيا يا أبله، تحرك، تحرك، يصرخ جون ليتحرك حصانه الذي استأنس بغفوة قصيرة في الصباح.
تتحرك العربة بصعوبة بسبب التصاق عجلاتها بالوحل الذي يملأ المكان.
هيا تحرك، بصوت آخر، وضرب السياط يفر الحصان ليشق الطريق متجاوزاً الأبنية السابقة بسرعة خاطفة.
فجأة تتراءى لعيني مسعود مجموعة كبيرة من الأبنية القديمة المحترقة والمهجورة، والتي تبدو مهجورة منذ سنوات.
- ما هذه الأبنية؟! وماذا حل بها؟! يعلق مسعود مستغرباً.
- إنها متاجر ومخازن ومنازل التهمها الحريق العظيم الذي ضرب المدينة منذ خمسة أعوام تقريباً، حيث نشب حريق عظيم بسبب احتراق أحد المستودعات في المدينة، ومما زاد الأمر سوءا الرياح الشتوية التي تسببت في انتشار النار في أرجاء المدينة.
- وهل كان الحريق كبيرا لهذه الدرجة؟
- صحيح، ولك أن تتخيل أنه تطلب إيقافها قيام قوات المارينز الأمريكية بتفجير بعض المباني على طول وول ستريت لبناء جدار عازل يمنع انتشارها.
على ضفاف برودواي
“الرجل الصادق دائماً طفل”
سقراط
تنظر رشيدة إلى الرجل العجوز وهو يغادر المكان مبتعدا، وهي تتفكر في شأن هذا الرجل الغريب، وكيف عرف اسمها، وما مغزى كلماته الأخيرة التي أضحت تتردد في إذنها بصوت عال: ” تذكري يا رشيدة أن الحق سيعود لصاحبه يوما ما، تذكري ذلك جيدا”
- تذكري ذلك جيدا، تذكري ذلك يا رشيدة، تردد رشيدة الكلمات دون وعي وبصوت مسموع.
- رشيدة، هيه ماذا حل بك؟ انظري هنا، يلوح ماهر بيديه أمام وجهها.
- ها … ها … لا شيء، شردت بذهني في ذلك الرجل الغريب.
- لم أنت مهتمة كثيرا به؟إنه مجرد رجل متسول صدقيني، وأنا متأكد أنه قد رأى اسمك مكانا ما صدفة، أي أنه لا يعرف شيئا عنك، صدقيني هذه ألاعيب اللصوص.
تقف رشيدة فجأة وكأنه لم يقنعها تعليق ماهر حول الرجل، ثم يقف ماهر بجانبها.
- هل أنت بصدد الرحيل؟ ماذا حل بك؟ لم تأخذين هذه المواقف على محمل الجد؟ هيا لنكمل حديثنا في موضوعك الأهم من هذا المتسول.
يبقى الاثنان صامتان لبرهة من الوقت وهما يتأملان في المارة من حولهم، وعلى الرغم من عدم مبالاة ماهر بشأن ذلك الرجل، إلا أنه كان واضحا رغبته الصادقة لمساعدة رشيدة، ذلك الشغف النابع من شخصيته المنفتحة، التي صنعت منه عقلية المبتكر القادر على الغوص في كل الاحتمالات الممكنة، والخروج بمزيج من الحلول القادرة على فك أعقد التناقضات.
- لنكمل حديثنا هنا، إذن فإن الخطوة الأولى لإثبات ملكية أسرتك لهذا العقد هي اثبات مصدر حصول المالك الحالي على العقد، يعلق ماهر، والأمر الآخر اثبات كيفية اختفاء العقد من حوزة جدك الأكبر.
- تحليلك منطقي يا ماهر، لكن من سيصدق روايتي؟ أيعقل أن يختفي شيء ثمين قبل حوالي ١٧٠ عاما ونثبتها الآن؟! فقد تغير كل شيء بعدما اختفى كل الشهود والأدلة.
- لكنك أخبرتني سابقا أن بحوزتك تقارير المحقق الذي دون ملاحظاته حول المشتبه فيهم بعد قيام جدك بإبلاغ السلطات في مدينة نيويورك.
- نعم إنها وثائق رقمية حصلت عليها من موقع الوثائق السرية Secret Sheets AZ المتخصص في عرض الوثائق الخاصة والعامة التي مضى عليها عشرات بل مئات السنين في بعض الأحيان.
- سمعت عنه، ولكن يراودني سؤال آخر، ما الذي يجعلك تعتقدين أصلا أن هذا العقد يعود لفترة رحلة السفينة سلطانة؟
- لقد كتب على الصندوق المعدني الذي أودع بداخله هذا العقد مؤرخ بـ: (نيويورك ٣٠ أبريل).
- وهل هذا كافٍ للجزم بأنه نفسه الذي تبحثين عنه؟ فربما يعود لفترة زمنية أخرى قبل أو بعد هذه الحادثة بسنوات أو عقود طويلة.
- أخبرتك يا ماهر أن وصول السفينة سلطانة كان في ٣٠ أبريل وقد استقبلت في مرسى نيويورك.
- لكن رشيدة هذا لا يعني بالضرورة أن هذا التاريخ يرتبط بهذه الحادثة فقط، فمثلا يوم تولي جورج واشنطن كأول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية كان في ٣٠ أبريل من عام ١٧٨٩م، ربما يرمز ما كتب على الصندوق إلى هذه المناسبة وخاصة أن تاريخها يعود إلى القرن الثامن عشر أي قبل رحلة السفينة بعقود.
- أف منك يا ماهر … إن تحليلك هذا يصيبني بالكآبة، أنت تحاول إنكار ملكية أسرتي لهذا العقد، لا يمكنني أن أتحمل الحديث معك، تبدو على رشيدة مشاعر الحزن والخيبة من استنتاجات ماهر.
يعود الاثنان إلى مقعدهما، ثم يفتح ماهر حاسوبه المحمول باحثا في متصفح الشبكة المعلوماتية عن أبرز الأحداث التي وقعت في ٣٠ أبريل:
- ٣٠ أبريل ١٨١٢: انضمام ولاية لويزيانا إلى الولايات المتحدة؛ لتكون الولاية رقم ١٨ وذلك بعدما باعها نابليون بونابرت للولايات المتحدة.
- ٣٠ أبريل ١٨٤٠: وصول أول مبعوث دبلوماسي عربي إلى مدينة نيويورك على متن السفينة سلطانه.
- ٣٠ أبريل ١٩١٦: مولد عالم الرياضيات الأمريكي كلود شانون.
- ٣٠ أبريل ١٩٨٤ : توقيع أول اتفاق اقتصادي بين الولايات المتحدة والصين.
- انظري هنا، هذه نماذج من بعض الأحداث المهمة التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية، ألا تظنين أن جميع هذه الاحتمالات ممكنة؟
- ماهر لكن ما علاقة هذه الأحداث بالعرب؟
- وما علاقة العرب؟
- إن العبارة التي كتبت على الصندوق كانت باللغة العربية.
- ماذا … ماذا تقولين؟! أكاد أحطم رأسي منك يا رشيدة، ولماذا لم تقولي ذلك منذ البداية؟
- وكيف أقول ذلك وأنت تثرثر بتحليلاتك، أنا لا أعلم لم طلبت مساعدتك وأنت لا تفهم شيئا
- ماذا قلت؟! إذن اذهبي بنفسك وافعلي ما تشائين، أنتن الفتيات دوما هكذا لا تفهمن شيئا ولا تقدرن تحليلاتي وأفكاري.
يقف ماهر فجأة، مغلقا حاسوبه المحمول على عجل، وقد بدت عليه علامات الاستياء.
- لم يخطئ فرويد عندما قال “بأن الشيء الوحيد الذي لم أفهمه في حياتي هو النساء”، إنه فعلا محق تماما، أرجوك لا تتصلي بي واذهبي لوحدك حيث تريدين، يعلق ماهر غاضبا.
وقبل أن تتمكن رشيدة من تهدئة الموقف، يرحل ماهر مبتعداً، وحاسوبه المحمول يتدلى من على ظهره.
- ماهر، ماهر تعال كنت أمزح معك فقط، يا لك من شاب عديم المسؤولية، تناديه رشيدة وهي تلوح بيدها ليعود لكن دون جدوى.
تبقى رشيدة وحيدة في المكان، وهي لا تعلم ماذا تفعل بعدما تركها ماهر مبتعدا عنها؛ لهذا تسحب رشيدة هاتفها الذكي من جيبها، مستعينة بتطبيق Free Line Uber الشركة المتخصصة في نقل الركاب، تحدد وجهتها، وفي غضون ثلاث دقائق تصل سيارة فورد رمادية اللون.
يسدل السائق النافذة الأمامية، كاشفا عن رأسه الذي كاد يرتطم بسقف السيارة، يلتفت جانبا وهو يرمق رشيدة بعينيه الحمراوين، وبصوته الخشن.
- مرحبا سيدتي، نهار سعيد.
- طاب يومك سيدي، تجيب رشيدة على الرجل، وعيناها تنظران إلى مدى تطابق مواصفات السيارة الظاهرة على شاشة هاتفها، يترجل السائق الذي تبدو هيئته بأنه في الثلاثين من عمره، ويتحرك لفتح باب سيارته الأمامي لرشيدة.
تنظر رشيدة إلى اللوحة على جانب الطريق والتي تشير إلى شارع برودوي، تنحرف السيارة مسرعة نحو الطريق الذي يعد مسرحا ممتدا لعدة أميال لالتقاء الثقافات والفنون من شتى بقاع العالم، والذي يمتد لأكثر من ١٣ ميلا على طول مدينة منهاتين، ومواز تقريبا لنهر هدسون، وتذكر الروايات أن بناء هذا الشارع يعود لأول مستوطنة بناها الهولنديون في القرن السابع عشر، والتي أطلقوا عليها اسم نيو أمستردام وهو الاسم الفعلي لمدينة نيويورك قبل سيطرة الإنجليز عليها في فترة لاحقة.
- الجو أكثر دفئا اليوم، أليس كذلك آنسة؟ يعلق السائق وهو يضغط على زر تشغيل المذياع.
- تنظر رشيدة عبر النافذة: نعم أيام قليلة وسنكون على أبواب فصل الربيع، سحب لؤلؤية متناثرة تتفرق من بين جنباتها أشعة الشمس، منظر غير مألوف يلفت بصر رشيدة، طابور من الأطفال خلف المربية، تبدو عليهم ملامح السعادة وهم يتحركون بانتظام، ليت طفولتنا تعود ونعيش تلك اللحظات البريئة مثلما يعيشها هؤلاء الأطفال، تعلق رشيدة بتنهد عميق.
“ارفعوا راياتكم في السماء.
ولوح بهم من جانب إلى جانب.
أظهر للعالم من أين أنت.
أظهر للعالم أننا واحد، حب واحد، وحياة.
أوليه، أوليه، أوليه … ”
كلمات حماسية استعدادا لبطولة كأس العالم في البرازيل والتي ستنطلق بعد شهرين.
- هل أنت من متابعي كرة القدم؟ يسأل السائق.
- تومئ رشيدة رأسها، للأسف لا، لكن جنون العالم بهذه اللعبة جعلها بطولة أممية.
- نعم، إنها كرة صغيرة جمعت حولها الكرة الأرضية.
إشارة ضوئية حمراء، تمنح الفرصة لرشيدة لالتقاط صورة بهاتفها الذكي لثلاثة غربان تتصارع على حشرة صغيرة خرجت من الأرض لتبحث عن الدفء، ترى ماذا تقول هذه الطيور لبعضها؟ تتساءل رشيدة.
- التقاطة رائعة آنسة، أنت مصورة محترفة، يعلق السائق.
- تهز رشيدة كتفها معربة عن تقديرها لثنائه، التصوير جزء من حياتي اليومية، أحب التقاط اللحظات الفريدة، وخاصة مشاهد الطيور والحيوانات، أحب لغة جسدها التي تخبرنا الكثير عما تشعر به هذه الكائنات البريئة، وأحب كذلك عرضها لأصدقائي على الفيسبوك والمواقع الأخرى.
- إذن ربما سأحظى بفرصة الظهور على أحد التقاطاتك اليومية، أليس كذلك؟ يعلق السائق مداعبا لها.
- بالتأكيد، ما عليك سوى رمي سيارتك في هذه الحفرة، تشير رشيدة إلى خارج النافذة، وستحظى بفرصة مؤكدة للظهور على صفحتي الخاصة.
ينفجر السائق بالضحك، فجأة تنهال أصوات بوق السيارات من خلفه، تحرك، تحرك أيها الثمل، الإشارة الضوئية خضراء، يصرخ رجل من سيارة بجانبهم.
- آسف سيدتي، لقد اندمجت معك، يعلق السائق.
- لا عليك، المهم أننا تحركنا، ترد رشيدة ثم تكمل حديثها، كثيرا ما يلفت انتباهي سلوك الغربان، على الرغم من الشؤم الذي تنذر به، والحظ السيء، إلا أنها طيور ذكية، تدفعني للتفكير في طريقة تفاعلها مع الأشياء من حولها.
- نعم، إن ما تقولينه صحيح، فمنذ أيام قليلة تداول نشطاء على قنوات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لغراب يقوم باستخدام قطعة خشب لجعلها أداة ليتزلج بها على الثلج، هل يمكنك تصديق ذلك؟ يعلق السائق .
- إنه أمر مثير للغاية، كيف يمكن لهذا الطائر فعل ذلك؟ تتساءل رشيدة، وإضافة إلى ما ذكرت فإن الغربان لديها قدرة كبيرة على تذكر وجوه الأشخاص، ولا يمكنها نسيان من يؤذيها، بل إنها تقوم بإبلاغ الغربان الأخرى لمشاركتها في الانتقام من يتعرض لها، إنه فعلا أمر مذهل من هذا الطائر.
عبر النافذة ومن بعيد تلتفت عينا رشيدة إلى تلك المرأة الواقفة بمفردها على جزيرة الحرية، حاملة مشعلا بيدها اليمنى، وكتابا بيدها الأخرى، إنه تمثال الحرية الذي يقف شامخا منذ أواخر القرن التاسع عشر والذي أهدته فرنسا للشعب الأمريكي بمناسبة مرور مئة عام على استقلالها، حيث يظهر تاج بسبعة أسنة على رأس التمثال، والسلاسل والأغلال تتدلى من بين قدميها تعبيرا عن نهاية فترة الظلم والاستبداد، وبداية عصر الحرية والديمقراطية، كما يدعي الأمريكيون.
بعد ٢٠٠ قدم خذ المخرج الأول، صوت يصدر عن جهاز التنقل عبر الخرائط GPS المثبت على سيارة الفورد.
- نحن لسنا ببعيد عن وجهتك سيدتي، يعلق السائق.
تظل رشيدة صامتة دون تعليق يضغط السائق على زر تغيير موجة الراديو:
الطقس صحو اليوم مع بعض السحب المتناثرة، واحتمالية هطول المطر خلال ساعات الظهيرة، نأمل أن تقضوا أوقاتا ممتعة.
ضغطة أخرى: أغنية من كلمات مايلي سايرس:
“لا يمكننا البقاء بلا حراك، إنها متعتنا، نفعل ما نشاء …”
- مايلي سايرس تشعل الحماسة في جو مشرق مثل هذا اليوم، يعلق السائق محاولا حث رشيدة للحديث معه.
- لا أحب الاستماع إلى الموسيقى الصاخبة، ترد رشيدة وهي تتنهد، هل يمكنني تدخين السيجارة سيدي؟ تطلب رشيدة الإذن من السائق.
- أممم، يؤسفني سيدتي، بتردد يجيب السائق، إن ضمان جودة الخدمة يتطلب مني عدم السماح للركاب بالتدخين؛ لأن ذلك سيؤثر على تقييم العملاء لي، هل تصدقين حتى أسرتي لا أسمح لهم بذلك، هل يمكنك تخيل ذلك؟ يؤسفني جدا سيدتي.
- لا بأس تعلق رشيدة بابتسامة مزيفة.
تأخذ نفسا عميقا وتستأنف حديثها:
- لطالما حاولت الانقطاع عن هذه العادة، السيئة، لكن ما إن أشعر بقدرتي على مقاومة هذه النشوة حتى تكسرها قسوة شتاء موسكو.
- إنه تحد صعب آنسة، لو كنت مكانك سأكون أكثر سوءا.
تحاول رشيدة تذكر الحديث الذي دار مع ماهر، الذي تطوع لمساعدتها في حل قضيتها، يدعي ماهر أن برنامجه الحاسوبي الجديد يمكنه التنبؤ بردة الفعل المتوقعة من الأشخاص إذا ما قمنا بتحديد الدوافع والمثيرات التي تسبق السلوك، وبما أن أسرتي تسعى للوصول إلى العقد المسروق من جدي الأكبر، وأن الأشخاص المشتبه بهم معروفون لدى السلطات في نيويورك، فإننا لابد أن نكون قادرين على تحديد دوافعهم، وبذلك يمكننا التنبؤ أن سارق العقد هو ذاك الفرد دون غيره، لكن هناك أمر أكثر أهمية، إن السرقة وقعت في عام ١٨٤٠م أي أنه قد مضى عليها أكثر من ١٧٠ عاما، وهذا قد يشكك في استنتاجات البرنامج الحاسوبي، وما الذي يدفع السلطات الحالية إلى تصديق برنامج حاسوبي لا يمكن الوثوق به؟!
فجأة، تقف سيارة الفورد، احتكاك إطارات السيارة بالإسفلت يصدر صوتا عاليا، تخرج رشيدة من سباتها، وتتدحرج حقيبة يدها إلى المقدمة، لكن خيط العلاقة يحميها من السقوط.
- ما الذي حدث؟ تسأل رشيدة منزعجة
- لا تقلقي سيدتي، راكب آخر بانتظاري على الجهة المقابلة، أنساني حديثنا المرور عليه، يطمئنها السائق ماسحا مؤخرة رأسه.
- كدت أصطدم بالزجاج الأمامي، ألا ترى، من فضلك انتبه، وإلا نزلت من سيارتك
- اهدئي سيدتي، إنها أمور معتادة، يحدث أحيانا مثل هذا، لا تقلقي، يعلق السائق غير مبال بما حدث.
عبر ممر المشاة، فتاة تجر كلبا من نوع بيجل بجسده الأسود وأطرافه البنية وأنفه الأبيض، يذكرها “بتوم” حيوانها المدلل.
- يا له من كلب جميل، تعلق رشيدة وقد زالت عنها كل تشنجاتها، أملك كلبا من هذه الفصيلة، لكن سلوكياته الغريبة تقلقني، هل تملك كلبا سيدي؟
- أوه نعم، ابني يملك كلبا من نوع راف كالي، هل تعرفينه؟
- نعم أعرف عنه القليل.
- إن الكلاب حيوانات رائعة، لكنها مشاغبة في بعض الأحيان، وخاصة عندما يتصادف وجود ضيف أو صديق، هل لاحظت ذلك؟
- هذا صحيح، يحدث معي ذلك أيضا، لكن كما تعلم أن هذه الحيوانات المسكينة ليس لها القدرة على الكلام مثلنا نحن البشر، وهي تخاطبنا بحركاتها وأصواتها المميزة، تعلق رشيدة.
بعد ٢٠٠ قدم انعطف يمينا نحو الجادة الخامسة، جهاز الإشعارات الصوتية.
من زجاج النافذة تتأمل رشيدة فيما حولها من المباني، تبدو نيويورك مختلفة في الجادة الخامسة، هنا تنتشر أشهر العلامات التجارية وأثمنها، متاجر لبيع الكتب، الأزياء، المجوهرات، المطاعم، كل شيء. هنا أيضا يطل برج ترامب ذو الثمانية والخمسين طابقا ماثلا أمام العالم، البرج الذي يعد ناطحة سحاب ومقرا لشركات الثري دونالد ترامب، وليس ببعيد يطل مركز روكفلر المكون من ١٩ مبنى والتي بنيت في نهاية الثلاثينات من القرن العشرين، حيث تمتد بين الجادتين الخامسة والسابعة في قلب مدينة منهاتن، وتعود ملكيتها لأسرة روكفلر الثرية.
تستأنف رشيدة حديثها:
- إذا ما عدنا لحديثنا السابق، فمثلا هناك سلوكيات يقدم عليها حيواني الصغير “توم” ولا أجد لها تفسيرا، فنظراته المحدقة في عيني عند كل صباح تشعرني بحاجته إلى قول شيء ما، لا أعلم ما هو، لكنه أمر مهم بالنسبة له، وربما معظم الكلاب تلجأ إلى الدوران حول مرقدها قبل النوم، ألم تلاحظ ذلك سيدي؟
- إنها فعلا أفعال غريبة تقوم بها الكلاب، يعلق السائق.
- نعم، وقد أقلقني كثيرا مطاردته المتكررة لذيله، هل هذا نوع من اللعب؟ بل إنه في بعض الليالي يعوي مثل الذئاب، إنه حقا أمر مخيف أن تجد كلبك المدلل قد تحول إلى ذئب فجأة.
- هذا فعلا ما لاحظته مع كلب ابني أيضا، يعلق السائق ضاحكا، ومثلما ذكرت فإنه على الرغم أن الحيوانات لا تتكلم لكننا على الأقل قادرون على فهم بعض إشاراتها الجسدية.
- دعني أقول لك أمرا مثيرا عما نشاهده في الأفلام الوثائقية التي تصور كيف تعيش الحيوانات في البراري حيث تظهر لنا تلك الإيماءات والإشارات التي تستخدمها الحيوانات في تواصلها مع بعضها البعض، وخاصة مشهد الفهد الصياد وهو يتوارى خلف الحشائش وبنظراته المحدقة بدقة البندقية نحو فريستها من الغزلان والجواميس.
- نعم إنها لحظة تشبه تماما ما نراه في أفلام الجريمة والعصابات، تلك النظرة الثاقبة التي يصوبها بطل الفيلم نحو زعيم العصابة، وهي توحي بقرب حدوث المواجهة، يعلق السائق بحماسة.
بعد ٣٠ قدما ستكون قد وصلت إلى الوجهة المطلوبة، جهاز التنقل عبر الخرائط يصدر إشعاره الأخير.
تبرز من بعيد العلامة التجارية المصنوعة من البرونز لمكتب سكاي تايمز (مكتب المحامي المتخصص في القضايا ذات الطابع التاريخي)، تنحرف السيارة قليلا بجانب المبنى، ثم تتوقف مباشرة على المدخل الذي زينت جدرانه برسومات بارزة لتماثيل ومبان تاريخية قديمة، كالأهرام والمسلات المصرية، وأخرى لعربات حربية تجرها الخيول.
- سيدتي لقد وصلنا إلى الوجهة المطلوبة، يسعدني لقاؤك، وأرجو ألا تمانعين بتقييم جودة الخدمة التي نقدمها عبر تطبيق الهواتف الذكية الخاص بشركتنا، يعلق السائق.
- تهز رشيدة رأسها وبابتسامة متكلفة تعبر عن امتنانها له.
تستدير سيارة الفورد مصدرة صريرا عاليا، معلنة مغادرة المكان نحو الشمال.
الجشع خلق رفيع
” إنها مفاجأة مثيرة حقا لنا نحن الأمريكيين والسيد سعيد شخصية هامة وطموحة ومحبة للاستثمار وهو قريب من شخصية محمد علي في مصر …” صحيفة الهيرالد الصباحية، مايو ١٨٤٠م
متاجر الأزياء، بنوك تجارية، فنادق واستراحات كلها أشكال حية لمظاهر التقدم والترف في هذه المدينة، والتي يهاجر إليها الناس من داخل البلاد وخارجها، بحثا عن فرص حقيقية للاستثمار وبناء رؤوس الأموال.
تتحرك عربة جون مسرعة نحو محطة القطار والتي بنيت منذ سنوات قليلة حيث تعد نموذجا من الثورة الصناعية الحديثة التي تعيشها المدينة في القرن التاسع عشر، تمتد سكة الحديد من مدينة لونج آيلاند إلى هكسفيل والتي من المتوقع أن يلتقي جون فيها بالوفد العربي الذي سيأخذ جولة رسمية على متن القطار البخاري.
تقف العربة أمام متجر يعرض عددا كبيرا من الأزياء المصنوعة من جلد الغزلان وفراء الذئاب والدببة البرية المنتشرة في الولايات الشمالية، يترجل جون من عربته حاملا بيده قطعة من الصوف المطرز.
- هل يمكنك استبدال قطعة الصوف هذه بهذا الفراء؟ يوجه جون سؤاله للبائع.
- إنه فراء نسائي سيدي وليس للرجال، يعلق البائع.
- أعلم ذلك يا أحمق، إنه لزوجتي، وليس لي، ألا ترى ضخامة جسدي.
يبقى البائع صامتا، يعود إلى الوراء وهو يتأمل في نوع قطعة الصوف.
- عذرا سيدي، هذا الفراء يكلفك خمسة أضعاف ثمن الصوف … لا بأس هات دولارين ونصف.
- ماذا قلت؟ دولارين ونصف … لا أنت تبالغ يا رجل، خذ دولارا واحدا لا غير، يسحب جون الفراء مسرعا نحو عربته دون أن ينتظر تعليقا من البائع.
- أيعقل فراء كهذا ثمنه دولارين؟ إن هؤلاء الباعة جشعون، كل واحد يحسب أنه السيد جاكوب، يعلق جون وهو يجلد حصانه للمغادرة بسرعة.
- هيه … هيه يا رجل، انتظر، انتظر لا يمكنك أخذه هكذا، يصرخ البائع محاولا اللحاق بالعربة، لكن دون جدوى.
يتعجب مسعود من تصرف جون السيء، لكن فضاضة جون في تعامله تجعله يفضل الصمت خوفا من ردة فعله، فرغبته في الوصول إلى أصحابه أهم من أي شيء آخر.
- بالمناسبة من هو ذلك الملقب بملك نيويورك؟ يعلق مسعود على تكرار هذا الاسم في كثير من المتاجر والأبنية التي مرا عليها طول الطريق.
- من لا يعرف ملك نيويورك؟!
- هل هو حاكم المدينة؟
- هههه .. يضحك جون بتهكم : إنه جاكوب، ألا تعرفه؟ إنه أثرى رجل في البلاد،
من لا يعرف جون جاكوب أستور، الذي صمم منذ قدومه من أوروبا إلى تحقيق حلمه نحو الثراء؟ ومنذ بدايات أوائل القرن التاسع عشر سيطر على تجارة الفراء في البلاد، كما امتلك أراضٍ شاسعة وعقارات كثيرة جعلته رقما صعبا أمام جميع منافسيه.
عدد كبير من الأشخاص يتصارعون على جذوع شجر مقطوعة وعلى عكس سكان نيويورك تبدو على هؤلاء الأشخاص مظاهر البؤس والإفلاس، وفجأة يقوم أحدهم بضرب رجل آخر أكبر سنا بقطعة من الجذع المكسور على رأسه؛ فيسقط مغشيا عليه، ولا يهب أحد لنجدته، فكل منهم يصارع بشراسة من أجل نيل حصته دون اكتراث بمن يسقط أو يموت.
ومن هول وغرابة الحدث، يصرخ مسعود على جون:
- انظر، انظر هناك، لقد ضربه، ربما مات، هيا لنساعده.
- ما دخلك أنت بما يحدث لهم؟ اتركهم وشأنهم، إن لم تكن رجلا لن تعيش هنا، يجب عليك أن تقاتل من أجل نيل نصيبك.
- ولكن … الرجل كبير في السن، وربما مات من شدة الإصابة.
- أعلم ذلك، أمر معتاد هنا، إنهم من الولايات المجاورة لنيويورك، يعلق جون
- ولماذا يتقاتلون على ذلك الجذع؟ ليبحثوا عن واحد آخر.
- هكذا هو حال معظم سكان الولايات الأخرى، وخاصة أن الشهور الأولى لتولي الرئيس مارتن بورين السلطة قبل ثلاثة أعوام، دخلت البلاد في كساد اقتصادي كبير، وقد أغلقت الكثير من المتاجر والمصانع في البلاد.
- وأين الحكومة عنهم؟ ألا تفعل شيئا من أجلهم؟
- لم تتمكن الحكومة من وضع حلول جذرية لهذه المشكلة.
وربما يكون الأمر أبعد من ذلك، يعزوها الكثيرون إلى قيام بعض المستثمرين البريطانيين بسحب أسهمهم من البنوك الأمريكية.
كما أن سياسة سلفه الرئيس أندرو جاكسون في سياسات الإنفاق كانت سببا رئيسيا في المشكلة، مما حذا بمعارضي بورين إلى اتهامه بظهور هذه الأزمة.
بوووم، بوووم … صوت قادم من بعيد، تعلوه أدخنة سوداء كثيفة، يشد مسعود عينيه وإذنيه نحو ذلك الشيء الغريب الذي لم يعهده قط.
- انظر، انظر هناك، يصرخ جون متباهيا، إنه القطار
عدد غفير من الناس قد تحلقوا على طول سكة الحديد استعدادا لانطلاق الرحلة القادمة، رجال ونساء، كبار وصغار، تعلو البهجة على محياهم، كل ينتظر موعد رحلته بأحر من الجمر.
- افسحوا الطريق، ابتعدوا، ابتعدوا لدي رجل عليّ إيصاله بسرعة قبل أن يتحرك القطار
إلا أن حارس محطة القطار يمنع دخول جون ومسعود.
غير أن تعنت جون وتدافعه بالجموع المنتظرة يثير غضب الحارس.
- قلت عليكما الانتظار هنا حتى نأذن لكما بالدخول، يصيح الحارس في وجهيهما، عليكما شراء تذكرة.
- اللعنة عليك، لقد أخبرتك أنني أصطحب رجلا من رجال البعثة، وقد ضاع عن أصحابه، انظر إليه، انظر إلى هيئته، لحيته، ملابسه، هل يشبه سكان المدينة؟
ينظر الحارس بتمعن إلى مسعود، حينها شعر أنه سيقتنع بما قاله جون، لكن صوت امرأة يلفت انتباهه إليها متجاهلا جون.
يتوجه الاثنان نحو حانة قريبة ويشدان على العربة في أحد زوايا المحطة.
- هل ترغب في شرب شيء ما سيدي؟ يعلق صاحب الحانة.
- لا نريد شيئا، هل رأيت رجالا يشبهون هذا الرجل في هيئتهم؟ يشير جون بيده إلى مسعود.
- وهل لهذا الرجل توائم كثيرون؟ يعلق صاحب الحانة ساخرا.
- يا وقح، هذا رجل ليس من بلادنا، جاء مع أصحابه في بعثة رسمية من شرق أفريقيا، وبحسب ما هو مخطط في برنامج زيارتهم فإنهم سيتجهون إلى هيكفيل عبر هذا القطار، هل تفهم ما أعنيه؟ يعلق جون غاضبا.
- أها، يبدو أنني فهمت، أظن أنني رأيت رجالا يشبهونه، وأحسب أنهم قد استقلوا القطار منذ ساعتين تقريبا.
- ماذا قلت؟ منذ ساعتين؟ اللعنة … يضرب جون بيده على المائدة الخشبية.
يشعر مسعود بخيبة الأمل، وأنه ربما لن يكون قادرا على لقاء أصحابه مرة أخرى.
- هل سمعت أيها الرجل الغريب، لقد رحلوا بعيدا، ولقد ساعدتك للوصول إلى هنا، لكن لن أفعل أكثر من ذلك، أتفهم ما أقصده؟ يعلق جون.
يبقى مسعود صامتا، وهو ينظر بعيدا، متتبعا مسار سكة القطار الذي يقطع سهولا بعيدة، يحاول مسعود سؤال رجل آخر، فربما يفيده أكثر عن أصحابه، وما إن يهم بسؤال ذلك الرجل، حتى يمسكه جون من ثوبه ويجره إلى حيث ركنت العربة، وهو يهمس لمسعود:
- انظر يا رجل، لا أريد أن أتركك وحيدا هنا، ما رأيك، سأوصلك إلى حيث تريد لكن مقابل أن تعطيني خمسين دولارا، ما رأيك؟
يتفاجأ مسعود من طلبه، لكنه يعلم بأن الوصول إلى أصحابه أهم من كل شيء الآن.
- لكن كما تعلم يا سيد جون، بأنني لا أملك المال الذي تطلبه، فأنا لا أملك سوى هذه الحقيبة المترهلة.
- ومن قال أنني أريده منك، سآخذ المال من أصحابك عندما نصل، وإن لم نصل إليهم سنجد حلا آخر.
- وما هو ذلك الحل؟ هل ستأخذ الحقيبة أم ثوبي؟
- ههه … إن حقيبتك وثوبك البالي لا يقيمان حتى دولارا واحدا، الحل الآخر، هو أن تعمل مربيا للماشية أو مزارعا في ملكيتي …
ولم يكد يكمل حديثه حتى قاطعه مسعود مستنكرا.
- ماذا قلت؟ مربي ماشية ومزارع، يا سيد جون صدقني لا أجيد هذه المهن مطلقا، أنا رجل أعيش على البحر، وأمتهن الصيد وتجديف القوارب وغيرها، ولا أفقه شيئا في شؤون الماشية. يعلق مسعود وقد أحمر وجهه.
- هذا شأنك يا غريب، إن كنت تريد العيش هنا فيجب أن تستمع لما نقوله لك، وليس لما تريده أنت، هل تفهم ما أقول؟ وإن كان الخيار هذا لا يلائمك فلا بأس، سأبيعك عبدا لأحد التجار، حينها أكون كسبت المال وتخلصت منك في نفس الوقت.
لا يعلم مسعود بماذا يرد، فخياراته محدودة، ولابد أن يجد مخرجا لهذا المأزق.
- لا بأس، أنا موافق على الشرط الأول، عندما نصل إلى أصحابي سأعطيك ما تريد، وإن لم يحصل ذلك فافعل ما تشاء.
- بما أنك موافق، إذن هيا اصعد العربة، وعلينا اللحاق بهم بسرعة قبل أن نفقد أثرهم
يستقل الاثنان عربتهما مغادرين محطة القطار نحو مدينة هيكفيل والتي تبعد عدة ساعات.
تعليق واحد
أحببت الرواية كثيرا