تتقدم المجتمعات بقدرتها على احتضان جميع أفرادها، وتهيئة البيئات الكفيلة بمنح كل إنسان فرصة المشاركة والاستقلالية والعيش بكرامة دون عوائق تحد من حضوره أو طموحاته. وفي هذا السياق، جاء قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عُمان، الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم 92/2025، ليعكس توجهاً حقوقياً حديثاً يضع الإنسان في صدارة الاهتمام، ويؤكد حقه الأصيل في الاندماج الكامل والمثمر في بنية المجتمع.
لسنوات طويلة، ارتبطت الإعاقة في كثير من المجتمعات بنظرة تقليدية تركز على الرعاية أو الشفقة، وكأن الشخص ذو الإعاقة يعيش على هامش الحياة العامة مستهلكاً لا منتجاً. لكن القوانين الحديثة باتت تنظر إلى القضية بصورة مختلفة؛ فالمشكلة لا تتمثل دائمًا في الإعاقة نفسها، بل أحيانًا في الحواجز التي تمنع الإنسان من الوصول والتعلم والعمل والمشاركة بصورة طبيعية.
من هو الشخص ذو الإعاقة وفق القانون العُماني؟
جاء المشرّع العُماني في المادة الأولى (البند 5) من القانون ليقدم تعريفاً دقيقاً ومواكباً لأحدث المعايير الدولية للشخص ذي الإعاقة، حيث نص على أنه:
كل من لديه قصور طويل الأمد في الوظائف الجسدية أو العقلية أو الذهنية أو الحسية أو الاجتماعية، قد يمنعه من التعامل مع مختلف الحواجز البيئية أو الشخصية من المشاركة بصورة كاملة وفعالة في المجتمع بالمساواة مع الآخرين.
ويكشف هذا التعريف عن نظرة أكثر شمولًا لمفهوم الإعاقة، إذ لا يقتصر على الجوانب الجسدية أو الحسية فقط، بل يمتد ليشمل الجوانب العقلية والذهنية والاجتماعية أيضًا، وهو ما يعكس إدراكًا لتنوع التحديات التي قد تؤثر في حياة الإنسان اليومية.
كما يلفت النص الانتباه إلى فكرة “الحواجز البيئية أو الشخصية”، وهي عبارة تحمل بعدًا مهمًا في فهم الإعاقة؛ فبعض الصعوبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة قد لا ترتبط بالحالة نفسها فقط، بل بالبيئة المحيطة ومدى قابليتها للوصول والتفاعل.
فعندما يواجه مستخدم الكرسي المتحرك درَجاً بلا منحدر هندسي مهيأ، فإن العائق هنا هو غياب التخطيط المعماري المناسب. وبالمثل، عندما يواجه الشخص الكفيف موقعاً إلكترونياً يفتقر إلى برمجيات القراءة الصوتية، أو يتعذر على الأصم الحصول على معلومة لغياب لغة الإشارة، فإن البيئة هي التي تضع حواجز العزلة.
ومن هنا، لا يبدو القانون وكأنه يتحدث عن الرعاية فقط، بل عن المشاركة الكاملة وحق الإنسان في أن يعيش ويتعلم ويتحرك ويعمل بصورة متكافئة مع الآخرين..
الوصول الشامل نحو تكافؤ الفرص
تجسيداً لهذه الفلسفة الحقوقية، نصت المادة الثالثة على أن القانون يكفل تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وحظر التمييز ضدهم، ودمجهم في مختلف مجالات الحياة، مع التزام الدولة بإزالة الحواجز التي تعيق تمتعهم بحقوقهم بالمساواة مع الآخرين. يعكس هذا النص حقيقة راسخة؛ وهي أن الأشخاص ذوي الإعاقة يمثلون جزءاً طبيعياً وأصيلاً من النسيج الوطني، ومن حقهم الكامل ارتياد منابر التعليم، والعمل، والخدمات، والمرافق العامة بكامل حريتهم.
هنا يبرز مفهوم “الوصول الشامل” (Universal Access) باعتباره الركيزة الأساسية لتحقيق العدالة والإنصاف. إن تهيئة المباني، وتعبيد الطرق، وتيسير وسائل النقل والاتصال، لا تمثل تحسينات شكلية أو كمالية، بل هي متطلبات هندسية وتقنية ترتبط مباشرة باستقلالية الإنسان وقدرته على ممارسة حياته بثقة وأمان.
يمتد هذا الوصول ليتكامل في أبعاد متعددة ترسم ملامح المواطنة الرقمية والمادية؛ حيث يجمع بين التيسير الحركي في الفضاءات العامة، والنفاذ الرقمي السلس إلى منصات المعلومات والمعاملات الإلكترونية، لتصبح البيئة قادرة على استيعاب الجميع بمختلف قدراتهم واحتياجاتهم الحية.
وتشير العديد من التقارير الدولية في مجال الإعاقة إلى أن نسبة كبيرة من التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة لا ترتبط بالإعاقة نفسها، بقدر ما ترتبط بغياب التهيئة المناسبة في البيئة المحيطة، وهو ما يعزز أهمية التحول نحو سياسات أكثر شمولًا.
يشير نص القانون أيضاً إلى أهمية توفير الحماية والتأهيل وإيلاء رعاية خاصة بالأشخاص الأكثر احتياجاً، وهو ما يوضح مرونة المشرّع العُماني وفهمه لتفاوت الاحتياجات بين الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم. فبعض الحالات المتعددة أو الشديدة تتطلب مستويات إضافية ومكثفة من الدعم والترتيبات التيسيرية لضمان مشاركتها بصورة عادلة، وهو ما التزمت به المؤسسات عبر تقديم حلول تأهيلية وصحية متطورة تلائم خصوصية كل حالة.
لماذا يمثل وجود هذه الحقوق ركيزة للمستقبل؟
إن وجود قانون واضح ومحكم لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يتجاوز تنظيم الخدمات الإجرائية ليتصل اتصالاً مباشراً بحماية الكرامة الإنسانية، وتعميق قيم العدالة الاجتماعية والانتماء الوطني. فعندما يرتكز الفرد على مظلة قانونية تحمي حقه في التعليم الدامج، والتوظيف العادل، والنفاذ الرقمي، والوصول والمشاركة، يصبح أكثر قدرة على الاستقلالية والثقة بالنفس والمساهمة في المجتمع.
كما أن وجود هذه الحقوق يسهم في تغيير النظرة المجتمعية تجاه الإعاقة، من كونها قضية مرتبطة بالعجز أو الاعتماد الكامل على الآخرين، إلى فهم أكثر إنصافًا يقوم على احترام التنوع البشري وإزالة العوائق التي تحد من مشاركة الأفراد في الحياة العامة.
وفي النهاية، لا تُقاس تقدم المجتمعات بقدرتها على تقديم الخدمات فحسب، بل بمدى انفتاحها على الجميع وإتاحة الفرص المتكافئة لهم. فالمجتمعات الأكثر نضجًا هي تلك التي تؤمن بأن الكرامة والعدالة وحق المشاركة ليست امتيازات تُمنح، بل حقوق أصيلة لا تقبل التمييز، تُبنى عليها أسس التنمية الحقيقية ويُصان بها الإنسان في جوهره ووجوده.