ليست كل المواعيد التي يفوّتها الأشخاص ذوو الإعاقة نتيجة التأخر في الاستعداد، ولا كل فرصة عمل يعتذرون عنها بسبب عدم ملاءمتها لقدراتهم. أحيانًا تكون المشكلة في وسيلة المواصلات التي يفترض أن تنقلهم إلى وجهتهم.
تُعد حقوق ذوي الإعاقة في المواصلات العامة في سلطنة عُمان من القضايا المرتبطة بالاستقلالية وتكافؤ الفرص؛ فإتاحة الحافلات وسيارات الأجرة ومحطات الانتظار لا تتعلق براحة الركاب وحدها، بل بقدرة الإنسان على ممارسة حياته دون أن يظل تنقله مرتبطًا بمساعدة الآخرين.
قد يحصل شخص على وظيفة مناسبة، لكنه يجد صعوبة في الوصول إليها يوميًا. وقد يتمكن طالب من الالتحاق بجامعة يرغب في الدراسة بها، بينما تصبح رحلته إليها أكثر تعقيدًا من يومه الدراسي نفسه.
وحين تتكرر هذه الصعوبات، قد يضطر الشخص إلى تقليص خياراته، أو الاعتذار عن بعض الأنشطة، أو تحمل تكاليف إضافية للحصول على وسيلة مناسبة.
فهل تكفي إتاحة الفرص إذا لم تتوافر الوسائل التي تمكن الأشخاص ذوي الإعاقة من الوصول إليها؟
حقوق ذوي الإعاقة في المواصلات العامة وفق القانون العُماني
تناولت المادة (23) من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (92/2025)، إمكانية الوصول بوصفها أحد متطلبات العيش باستقلالية والمشاركة الكاملة في المجتمع.
وجاء ضمن المجالات التي شملتها المادة:
«البيئة المادية المحيطة ووسائل النقل والمعلومات والاتصالات».
وتقرر المادة كفالة إمكانية وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى هذه المجالات على قدم المساواة مع الآخرين، مع تحديد العقبات وإزالتها وفق الشروط والضوابط التي تبينها اللائحة التنفيذية.
وتكمن أهمية هذا النص في أنه لا يتعامل مع النقل بوصفه مجرد خدمة اختيارية، بل يربط إتاحته بالمساواة والاستقلالية.
فالحافلة التي تمر أمام منزل شخص يستخدم كرسيًا متحركًا، لكنه لا يستطيع الصعود إليها، لا تمثل بالنسبة إليه خيارًا حقيقيًا للتنقل، مهما كان انتظام مواعيدها.
ولا تحدد المادة مواصفات كل مركبة أو عدد الحافلات الواجب تهيئتها؛ إذ تخضع المتطلبات التفصيلية للتنظيم والاشتراطات الفنية المعمول بها. لكنها تضع أساسًا قانونيًا لإزالة العوائق أمام استخدام وسائل النقل.
عندما تكون الحافلة موجودة ولكن الرحلة غير متاحة
قد يظن البعض أن وضع رمز الكرسي المتحرك على إحدى الحافلات يعني أنها أصبحت مناسبة لجميع الأشخاص ذوي الإعاقة. لكن سهولة استخدام المركبة تتوقف على تفاصيل كثيرة لا تظهر في الرمز.
فالشخص الذي يستخدم كرسيًا متحركًا قد يحتاج إلى وسيلة آمنة للصعود والنزول، ومساحة مناسبة داخل الحافلة. وقد يكون أحد هذه التجهيزات متوفرًا، لكنه معطل أو يصعب استخدامه دون مساعدة.
أما الشخص الكفيف، فقد تكون مشكلته في معرفة رقم الحافلة أو تحديد محطة النزول، خصوصًا إذا اقتصرت المعلومات على الشاشات.
وفي المقابل، قد لا يستطيع الشخص الأصم متابعة التنبيهات التي تعلن صوتيًا عن تغيير المسار أو توقف الخدمة، ما لم تُعرض المعلومات بطريقة مرئية.
لهذا لا تكفي تهيئة المركبة من الناحية الهندسية وحدها؛ بل ينبغي الاهتمام بالمعلومات والتواصل والتشغيل والصيانة.
ومن الحلول العملية توفير وسائل صعود مناسبة، وإعلانات صوتية ومرئية متكاملة، ومعلومات واضحة عن الرحلات، مع تدريب السائقين والعاملين على استخدام التجهيزات والتعامل باحترام مع احتياجات الركاب المختلفة.
سيارات الأجرة وخدمات النقل عند الطلب
لا يستطيع الجميع الاعتماد على الحافلات، خاصة عندما تكون الوجهة بعيدة عن خطوط النقل المعتادة أو تتطلب الرحلة ترتيبات خاصة.
وقد تكون سيارة الأجرة الخيار الأنسب، لكن العثور على مركبة ملائمة ليس دائمًا أمرًا سهلًا.
فبعض مستخدمي الكراسي المتحركة يحتاجون إلى سيارات مجهزة، بينما قد يستطيع آخرون الانتقال إلى مقعد السيارة إذا توفرت مساحة آمنة لوضع الكرسي. وقد يحتاج الشخص الكفيف إلى معلومات دقيقة للتعرف على المركبة التي طلبها، في حين يفضل الشخص الأصم التواصل الكتابي مع السائق.
ويمكن لتطبيقات النقل أن تسهم في معالجة هذه المشكلات من خلال إتاحة تحديد احتياجات الوصول أثناء الحجز، وتوفير خيارات مختلفة للتواصل، وإظهار معلومات المركبة بصورة واضحة.
وهذه أمثلة على تحسينات عملية تدعم إتاحة الخدمة، دون أن يعني ذلك أن القانون فرض جميع هذه الخصائص التقنية بنص تفصيلي على كل تطبيق أو مشغل.
الطريق إلى محطة الحافلات جزء من حق الوصول
قد تكون الحافلة مهيأة، لكن المشكلة تبدأ قبل وصولها.
فإذا كان الطريق إلى المحطة يتضمن أرصفة غير متصلة، أو معابر غير مناسبة، أو عوائق تمنع مستخدمي الكراسي المتحركة والعصي البيضاء من الوصول بأمان، فإن تجهيز الحافلة وحده لن يكون كافيًا.
وقد أكدت المادة (22) من القانون التزام الجهات المعنية بتيسير استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة من الخدمات العامة، والتقيد بالتصميم الشامل في الطرق ومواقف السيارات وغيرها من المرافق العامة.
وتتكامل هذه المادة مع المادة (23)؛ فإتاحة المواصلات تشمل أيضًا المسار المؤدي إليها، ومحطات الانتظار، ونقاط الصعود والنزول.
ومن المهم لذلك ألا تُقيّم المحطة أو المركبة بمعزل عن بقية الرحلة، بل من خلال تجربة المستخدم الفعلية منذ مغادرته نقطة الانطلاق حتى وصوله إلى وجهته.
هل توجد عقوبات على مخالفة متطلبات إمكانية الوصول؟
لم يقتصر القانون العُماني على إقرار الالتزامات المتعلقة بإمكانية الوصول، بل تضمن عقوبات على مخالفة أحكام المادتين (22) و(23).
فقد حددت المادة (69) غرامة تتراوح بين 500 و3000 ريال عُماني، مع مضاعفة الحدين الأدنى والأقصى عند التكرار.
وتؤكد هذه العقوبة أن متطلبات إمكانية الوصول ليست مجرد توصيات، وإنما التزامات قانونية يمكن أن تترتب على مخالفتها مسؤولية.
ومع ذلك، فإن إثبات المخالفة في حالة معينة يتطلب الرجوع إلى الضوابط القانونية والتنفيذية المنطبقة، ولا يصح اعتبار كل تأخير أو عطل عارض مخالفة تستوجب الغرامة تلقائيًا.
المواصلات المتاحة تمنح الإنسان حرية الاختيار
لا ينبغي قياس نجاح خدمات النقل بعدد المركبات التي تحمل رمز الإعاقة، بل بمدى قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على استخدامها بصورة منتظمة وآمنة، دون قلق مستمر بشأن الصعود أو الوصول أو العودة.
وتبدأ التحسينات الحقيقية بالاستماع إلى تجارب المستخدمين، وفحص المحطات والمركبات، ومعالجة الأعطال، وتوفير المعلومات بأكثر من وسيلة، إلى جانب وجود قنوات واضحة لتلقي الملاحظات والشكاوى.
فالإنسان لا يحتاج إلى المواصلات للوصول إلى العمل أو العلاج وحدهما؛ بل يحتاج إليها أيضًا ليزور أصدقاءه، ويحضر فعالية، ويقضي احتياجاته، ويعيش تفاصيل حياته المعتادة.
حق التنقل لا يعني فقط القدرة على مغادرة المنزل، بل امتلاك حرية اختيار الوجهة والوقت ووسيلة الوصول دون أن تصبح الإعاقة سببًا في تضييق الخيارات.
وحين تصبح المواصلات العامة متاحة للجميع، لا نكون قد حسّنّا خدمة نقل فحسب، بل أزلنا أحد العوائق التي قد تحول دون استقلالية الإنسان ومشاركته الكاملة في المجتمع.