لا أحد يتحدث كثيراً عن فترات الصمت التي يعيشها الكتّاب.
نتحدث عن الكتب بعد اكتمالها، وعن المقالات بعد نشرها، وعن الأفكار بعد أن تجد طريقها إلى الورق، لكننا نادراً ما نتحدث عن تلك الفترات التي يطول فيها التردد، وتتراكم فيها الأفكار دون أن تتحول إلى نصوص.
كل كاتب تقريباً مرّ بهذه المرحلة بشكل أو بآخر، مرحلة لا تغيب فيها الرغبة في الكتابة تماماً، لكنها تصبح بعيدة المنال على نحو يصعب تفسيره. ولهذا يبدو التوقف عن الكتابة من أكثر التجارب إرباكاً لمن يحبونها حقاً.
فالكاتب لا يستيقظ ذات صباح وقد قرر أن يبتعد عن الكتابة. الأمر يحدث على نحو أكثر هدوءاً. تؤجل فكرة إلى وقت لاحق، ثم تؤجل أخرى، وتبقى الملاحظات متناثرة في دفاتر الهاتف أو على قصاصات الورق، بينما تتراجع عادة الجلوس للكتابة شيئاً فشيئاً. وبعد فترة يكتشف الإنسان أنه لم يكتب منذ أسابيع أو أشهر، رغم أن علاقته بالكلمات لم تنقطع في داخله.
وقد يكون هذا أكثر ما يربك الكتّاب؛ فلو كان السبب فقدان الاهتمام لبدت المسألة مفهومة. لكن كثيراً من الذين ابتعدوا عن الكتابة ما زالوا يلتفتون إلى العبارات الجميلة أثناء القراءة، وما زالوا يتوقفون أمام فكرة تصلح لمقال أو قصة، وما زالوا يشعرون بشيء من الحنين كلما عادوا إلى نص قديم كتبوه في وقت كانت فيه الكلمات تأتي بسهولة أكبر.
عندما تتحول الكتابة إلى اختبار
في بدايات الكتابة لا نفكر كثيراً في جودة ما ننتجه. نكتب لأن لدينا ما نريد قوله، أو لأن الكتابة تمنحنا متعة خاصة لا نجدها في مكان آخر. لكن العلاقة مع الكتابة تتغير مع مرور الوقت. يصبح الكاتب أكثر وعياً بنقاط قوته وضعفه، وأكثر إدراكاً لما يتوقعه الآخرون منه، فيبدأ بحمل أعباء لم تكن موجودة من قبل.
بدلاً من الانشغال بالفكرة نفسها، ينشغل أحياناً بمستوى الفكرة. وبدلاً من الاستمتاع بعملية الكتابة، يبدأ في مراقبة كل جملة وهو يكتبها. شيئاً فشيئاً تصبح الصفحة البيضاء مكاناً للمحاسبة أكثر من كونها مساحة للتجربة.
لهذا لا يكون التوقف دائماً نتيجة نقص الأفكار، بل نتيجة ثقل التوقعات التي نحملها معنا كلما جلسنا للكتابة.
الكمالية التي تستهلك البدايات
كثير من النصوص لا تموت بسبب ضعف الفكرة، بل لأنها تواجه حكماً قاسياً قبل أن تولد. يكتب الكاتب سطراً فيحذفه، ويعيد صياغة الفقرة مرات عديدة، ثم يترك النص كله لأنه لم يأتِ بالصورة التي تخيلها في ذهنه.
والمشكلة أن الصورة التي نتخيلها لأي نص تكون دائماً أكثر اكتمالاً من المسودة الأولى. فالنصوص الجيدة لا تبدأ جيدة بالضرورة، بل تتحسن أثناء الكتابة والمراجعة وإعادة النظر. أما عندما نطلب من الفقرة الأولى أن تكون مثالية، فإننا نمنع النص من أن يأخذ فرصته الطبيعية في النمو.
المقارنة التي تُربك الكاتب
من السهل أن يفقد الكاتب حماسه عندما ينظر باستمرار إلى ما يكتبه الآخرون. فكل نص متقن قد يبدو دليلاً على المسافة التي لم يقطعها بعد، وكل كاتب ناجح قد يبدو وكأنه وصل إلى مكان يصعب الوصول إليه.
لكن ما يظهر للقراء هو النسخة الأخيرة فقط. أما المحاولات المرتبكة والمسودات الأولى وساعات الحذف وإعادة الصياغة فتبقى غالباً خلف الستار. ولهذا فإن المقارنة لا تقدم صورة حقيقية بقدر ما تقدم صورة ناقصة تجعل الكاتب أكثر قسوة على نفسه.
حين يكون الإرهاق هو السبب
ليست كل فترات التوقف مرتبطة بالكتابة ذاتها. أحياناً يكون العقل مشغولاً بأعباء أخرى لا تترك مساحة كافية للتأمل والتركيز. فالكتابة تحتاج إلى قدر من الحضور الذهني، وإلى مساحة هادئة تستطيع الأفكار أن تتشكل فيها.
ولهذا قد تمر فترات لا يكون الحل فيها مزيداً من الضغط على النفس، بل قدراً أكبر من الراحة والتوازن. فالعقل المرهق لا يستجيب للأوامر، مهما كانت رغبتنا في العودة قوية.
ما بين التوقف والعودة
فترات الصمت التي يمر بها الكتّاب ليست دائماً علامة على فقدان الموهبة أو نضوب الأفكار. ففي كثير من الأحيان تكون نتيجة طبيعية لتراكم الضغوط، أو لثقل التوقعات، أو لتغير الظروف التي كانت تمنح الكتابة مكانها المعتاد في الحياة اليومية.
ومهما طالت فترة الانقطاع، فإن وجود الحنين إلى الكتابة يظل مؤشراً مهماً على أن العلاقة بها لم تنقطع تماماً. فالكلمات التي كانت جزءاً من حياة الإنسان لا تختفي بسهولة، وإنما تتوارى أحياناً خلف ضجيج الحياة حتى يحين الوقت المناسب للعودة إليها.
لكن فهم أسباب التوقف لا يعني بالضرورة معرفة طريق العودة. فكثير من الكتّاب يدركون جيداً ما الذي أبعدهم عن الكتابة، ومع ذلك يجدون صعوبة في استعادة عادتهم القديمة أو تجاوز رهبة الصفحة البيضاء. ولهذا سنتناول في مقال آخر خطوات عملية تساعد على العودة إلى الكتابة بعد فترات الانقطاع، واستعادة تلك العلاقة التي تجمع الكاتب بكلماته.