تخيل أن تبدأ يومك بقطع مسافة طويلة حاملاً ملفاً مليئاً بالتقارير الطبية والوثائق الرسمية لتثبت لجهة تعليمية أن ابنك يحتاج إلى ترتيبات معينة داخل الصف الدراسي. وبعد رحلة طويلة من التدقيق، يتكرر المشهد ذاته عندما تتوجه إلى جهة أخرى للحصول على تصريح للمواقف المهيأة، لتجد نفسك مجبراً على إعادة تقديم نفس التقارير، وخوض الفحوصات الطبية ذاتها من البداية، لمجرد إثبات الحالة لجهة ثانية. هذه الدوامة الإدارية وتكرار المعاملات لإثبات واقع لا يتغير، هما التحدي الخفي الذي يستنزف طاقة الأسر يومياً.
هذا التشتت لا يرهق الجسد والوقت فحسب، بل يضغط على النفسية؛ إذ يشعر الإنسان وكأنه في رحلة إثبات مستمرة لظروفه أمام كل قطاع، بدلاً من أن يتفرغ لتربية أبنائه ودعم استقلاليتهم. إن تخفيف العبء الإجرائي وتوحيد قنوات التشخيص هو الخطوة الأولى لصون كرامة الإنسان، وهو ما التفت إليه المشرّع العُماني ليضع حداً لهذه المعاناة عبر منظومة رقمية ورقابية تُنهي تعقيد الإجراءات وتوحد الجهود.
خطوة رقمية تنهي عناء التنقل والأوراق
لإنهاء رحلة الشتات وإعادة تقديم المستندات الطبية لكل جهة، أوجد قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عُمان حلاً ذكياً يربط شتى قطاعات الدولة بقاعدة بيانات موحدة تحمي الفرد وأسرته، حيث نصت المادة (4) من القانون صراحة على:
تُنشأ في الوزارة قاعدة بيانات رقمية للأشخاص ذوي الإعاقة تسمى «السجل الوطني للأشخاص ذوي الإعاقة»، تلتزم بجمع وتحديث كافة البيانات والمعلومات الطبية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية المتعلقة بهم بالتنسيق مع الجهات المعنية، وتبين اللائحة إجراءات وشروط القيد فيه.
بفضل هذا السجل، تنتهي تماماً حاجة الأسرة لحمل الملفات الطبية المكررة؛ فبمجرد تسجيل الفرد، تصبح بياناته وتشخيصه مرئياً ومتاحاً إلكترونياً وبشكل آمن لكافة المؤسسات ذات العلاقة كالتعليم والصحة والعمل. هذا التحول الرقمي يسمح للجهات الخدمية بمعرفة المتطلبات والترتيبات التيسيرية اللازمة مسبقاً وتوفيرها تلقائياً، مما يحول دور الدولة من انتظار تقديم المعاملات والطلبات إلى توفير الخدمة الفورية بناءً على حقائق رقمية واضحة ومحدثة.
البطاقة الموحدة وحق المعاملة التفضيلية
تتويجاً لتسهيل المعاملات اليومية وإنهاء عناء الشرح والتبرير وإثبات الحالة في كل زيارة للمؤسسات أو المصارف، استبدل القانون تلك الملفات الورقية بهوية رسمية موحدة معززة بقوة المرسوم السلطاني، حيث نصت المادة (5) على:
تُصدر الوزارة لكل شخص ذي إعاقة مقيد في السجل الوطني وثيقة رسمية تسمى «بطاقة الأشخاص ذوي الإعاقة»، وتُعتد بها مستنداً رسمياً في إثبات الإعاقة، ونيل التسهيلات والمزايا الممنوحة بموجب أحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية.
ولكي تحل هذه البطاقة مشكلة الوقوف في الطوابير الطويلة وهدر الوقت، فرضت المادة (9) من القانون التزاماً إنسانياً وأخلاقياً صارماً على كافة القطاعات الخدمية والمصرفية بنصها:
تلتزم كافة الجهات الحكومية والخاصة والمصارف بتقديم معاملة تفضيلية للأشخاص ذوي الإعاقة، تشمل إعطاء الأولوية في إنجاز المعاملات، وتخصيص مسارات ونوافذ مهيأة لخدمتهم، وتيسير وصولهم إلى شتى الخدمات التي تقدمها تلك الجهات.
هذه المواد تضمن للفرد أو ولي أمره، بمجرد إبراز البطاقة الرسمية الموحدة في أي مؤسسة أو مصرف، ألا يقف في طوابير الانتظار المجهدة؛ بل تفتح له المسارات السريعة وتُنجز معاملاته بتقدير واحترام يصون راحته ووقته دون تكبد عناء إثبات تضرره في كل مرة.
كيف يضمن القانون تطبيق هذه التسهيلات؟
وحتى لا تظل هذه التسهيلات الرقمية والإجرائية مجرد نصوص اختيارية تلتزم بها جهة وتهملها أخرى، وضع القانون سياجاً رقابياً ميدانياً يضمن تفعيل السجل والبطاقة ويحاسب أي موظف أو مؤسسة تصر على المعاملات التقليدية الطويلة، حيث نصت المادة (10) على:
يكون للموظفين الذين يصدر بتحديدهم قرار من رئيس السلطة القضائية بالتنسيق مع الوزير، صفة الضبطية القضائية في إثبات الأفعال التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون واللوائح والقرارات الصادرة تنفيذاً له، واتخاذ الإجراءات القانونية المقررة بشأنها.
يضمن هذا النص الرقابي وجود جولات تفتيشية مستمرة لتوثيق أي امتناع عن تقديم الخدمة التفضيلية، وضمان ربط الأنظمة الإدارية بالسجل الوطني، لتبقى كافة القطاعات ملزمة بتيسير حياة الإنسان وصون كرامته على مدار الساعة.
في الختام،إن القيمة الحقيقية لإلغاء هذه الدوامة الإجرائية لا تُقاس بتبسيط المعاملات داخل أروقة المكاتب فحسب، بل تُقاس بحجم الطمأنينة والراحة التي تدخل قلوب الأسر. عندما يتوقف الأب عن القلق بشأن حمل ملفات ابنته الطبية في كل مقصِد، وعندما يوقن الشاب أن هويته الرقمية تسبقه بالاحترام والتيسير أينما حلّ، يدرك المجتمع أن التشريع لم يأتِ ليعقّد الواقع، بل جاء ليحنو على الإنسان ويمنحه المساحة الكاملة ليعيش مستقراً، مطمئناً، ومكفول الكرامة في وطن يحتضن جميع أبنائه.