تنطلق أغلب أشكال الوصاية من نوايا حسنة. فالأسرة تخشى على ابنها، والمؤسسة تسعى إلى تجنيبه المشكلات، والمجتمع يظن أنه يمارس دور الحماية. لكن هذه النوايا قد تتحول أحيانًا إلى عائق غير مرئي يحرم الأشخاص ذوي الإعاقة من أحد أهم حقوقهم الإنسانية: حق اتخاذ القرار بشأن حياتهم بأنفسهم.
وهنا تحديدًا يتجلى ما يمكن وصفه بـ الحماية المفرطة للأشخاص ذوي الإعاقة، حين تتحول الرغبة في الأمان إلى بديل عن حرية الاختيار.
فبين الرعاية التي تمكّن الإنسان من ممارسة حقوقه، والوصاية التي تحلّ محل إرادته، حدٌ فاصل قد لا ينتبه إليه كثيرون. وحين يصبح الآخرون هم من يختارون مكان الدراسة، أو طريقة العيش، أو القرارات المالية والشخصية نيابة عن الشخص ذي الإعاقة، فإن الحماية تتحول تدريجيًا إلى قيد يحد من استقلاليته ويضعف ثقته بقدرته على إدارة شؤونه الخاصة.
وفي مواجهة هذه الممارسات، جاء قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عُمان ليؤكد أن الإعاقة لا تنتقص من أهلية الإنسان ولا من حقه في تقرير خياراته، واضعًا ضمانات قانونية واضحة تحمي الاستقلالية الفردية وتمنع الوصاية غير المبررة.
الممارسات اليومية وظلال الوصاية على الأشخاص ذوي الإعاقة
لا تظهر الوصاية دائمًا في صورة قرارات صارمة أو قيود معلنة، بل قد تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية تحت شعار الحرص والخوف. فقد يقرر الوالدان نيابة عن ابنهما الكفيف التخصص الجامعي الذي سيدرسه، انطلاقًا من تصوراتهم الخاصة حول ما يرونه مناسبًا له، متجاهلين ميوله وطموحاته الحقيقية. وقد تُمنع فتاة ذات إعاقة حركية من إدارة حسابها البنكي أو اتخاذ قراراتها المالية بنفسها، رغم قدرتها على ذلك، بحجة الخوف من تعرضها للاستغلال.
في مثل هذه المواقف لا يكون التحدي في وجود الإعاقة ذاتها، بل في افتراض أن الشخص غير قادر على اتخاذ قراراته لمجرد أنه شخص ذو إعاقة. وهنا تتراجع الاستقلالية الفردية لصالح وصاية غير مبررة، حتى وإن كانت مغلفة بمشاعر الرعاية والاهتمام.
ومن أجل مواجهة هذه النظرة، وضع المشرّع العماني إطارًا قانونيًا يميز بوضوح بين تقديم الدعم اللازم للشخص وبين استبدال إرادته أو اتخاذ القرارات نيابة عنه.
الأهلية القانونية الكاملة والحق في الدعم لا الوصاية
لقد جاءت نصوص التشريع العماني لتعيد صياغة المشهد بشكل قاطع، حيث ألزمت المادة (12) من القانون بما نصّه:
تلتزم الجهات المعنية بالاعتراف بالأهلية القانونية للأشخاص ذوي الإعاقة على قدم المساواة مع الآخرين في جميع مناحي الحياة، واتخاذ التدابير اللازمة لتوفير الدعم الذي قد يحتاجون إليه في ممارسة أهليتهم القانونية.
ويؤكد هذا النص أن الأصل هو الاعتراف الكامل بأهلية الشخص ذي الإعاقة، وأن دور الجهات المعنية لا يتمثل في اتخاذ القرارات نيابة عنه، وإنما في توفير ما يحتاج إليه من وسائل دعم تساعده على ممارسة حقوقه بنفسه.
فعندما يرغب شخص من ذوي الإعاقة السمعية في إبرام عقد أو إنهاء معاملة رسمية، فإن المطلوب هو توفير مترجم لغة إشارة أو أي وسيلة تواصل مناسبة تمكّنه من فهم التفاصيل واتخاذ قراره بحرية. أما أن يقوم الآخرون بالتوقيع أو التصرف نيابة عنه دون مبرر قانوني، فذلك يتعارض مع جوهر الحماية التي أرادها القانون.
إن الدعم هنا ليس بديلاً عن الإرادة، بل وسيلة لتمكينها.
سياج الحرية الشخصية ومواجهة العزل الاجتماعي
ولم يقف المشرّع عند حدود المعاملات الرسمية، بل أتبعها بسياج يحمي الحرية الجسدية والمعنوية من التقييد، حيث أكدت المادة (14) من القانون على:
تكفل الحرية الشخصية للأشخاص ذوي الإعاقة، ويحظر الحجر عليهم أو تقييد حريتهم على نحو غير قانوني، كما تكفل استقلاليتهم الفردية بما في ذلك حرية تقرير خياراتهم بأنفسهم.
ويحمل هذا النص رسالة واضحة مفادها أن الأشخاص ذوي الإعاقة يتمتعون بالحق الكامل في إدارة حياتهم واتخاذ قراراتهم الشخصية، شأنهم شأن غيرهم من أفراد المجتمع.
وبناءً على ذلك، لا يجوز تقييد حرية التنقل أو المشاركة الاجتماعية أو اختيار نمط الحياة لمجرد وجود الإعاقة. كما لا ينبغي أن تتحول مؤسسات الرعاية أو البيئة الأسرية إلى جهات تفرض خياراتها الخاصة على الشخص بدعوى حمايته.
فالخوف لا يمنح أحدًا حق مصادرة إرادة الآخر، والحرص لا يبرر سلبه حقه في الاختيار.
كرامة الإنسان تبدأ من احترام إرادته
إن بناء مجتمع شامل لا يقتصر على إزالة الحواجز المادية وتوفير الخدمات المهيأة، بل يمتد إلى احترام حق الإنسان في اتخاذ قراراته بنفسه. فالأشخاص ذوو الإعاقة لا يحتاجون إلى من يعيش حياتهم نيابة عنهم، بل إلى بيئة تدعم اختياراتهم وتوفر لهم ما يلزم لممارستها باستقلالية وكرامة.
وقد جاء القانون العماني ليؤكد هذه الحقيقة بوضوح؛ فالدعم حق، أما مصادرة الإرادة فليست حماية. وبين الرعاية التي تمكّن والوصاية التي تقيّد فرق جوهري يجب أن تدركه الأسر والمؤسسات والمجتمع بأسره. فحين نحترم حق الشخص ذي الإعاقة في الاختيار، فإننا لا نحترم قرارًا فرديًا فحسب، بل نحترم إنسانيته وكرامته وحقه الأصيل في أن يكون صاحب القرار الأول في حياته.
تعليق واحد
بالتأكيد حرية الاختيار مكفولة لكل أنسان ومساعدة أصحاب الإعاقة لتحقيق حريتهم بالاختيار فهذا أبسط ما نقدمه لهم