نبذة عن الكتاب
الفهرس
عتبة اليقين
عتبة اليقين
كان يقف في منتصف العدم، لا يرى أمامه إلا احتمالاتٍ معلقةً كغبارٍ في ضوء باهت.. لم يكن المكان هو الفراغ، بل روحه التي ضاقت بوطأة التردد.
من حوله، اصطفت الأبواب بلا نهاية، كل بابٍ منها يحمل عبء قرارٍ لم يُتخذ، ورغبةٍ مكبوتة في قفص الخوف، كانت أشبه بالمرايا التي تعكس وجوهاً كان يمكن أن يكونها، وحيواتٍ ماتت قبل أن تولد.
كان الصمت يجثم على صدره كصخرةٍ باردة، حتى اخترقه وميض خافت من بابٍ وحيد يحمل الرقم (7).
التجلي الأول:
“الباب الذي يأتيك منه النور هو الباب الذي يحمل صدق رغبتك، لا مجرد فضولك؛ فالنور لا يطرق أبواب العابثين.”
مدّ يده المترددة، وفي اللحظة التي لمست فيها أصابعه مقبض الباب، تزلزلت العتمة، لم يجد خلف الباب غرفاً أو أثاثاً.. لكنه وجد فيضاً من النور يكتسح الظلال التي استوطنت روحه لسنوات.
لم يكن النور الذي غمره مجرد ضياءٍ تراه الأعين، لكنه كان أشبه بذاكرةٍ دافئة تستيقظ فجأة. شعر برعشةٍ تسري في أطرافه، كأن الأغلال غير المرئية التي كبلت خطواته لسنوات بدأت تذوب تحت وطأة هذا الدفء.
تذكر كل المرات التي تراجع فيها خوفاً من الفشل وكل الكلمات التي خنقها الصمت في حنجرته؛ رأى تلك الخيبات تتبخر كدخانٍ رقيق يطرده الضياء خارج المدى. أدرك حينها أن الرقم (7) لم يكن مجرد تسلسل، بل كان رقم العبور ؛ اللحظة التي يقرر فيها الإنسان التوقف عن دور المشاهد، ليبدأ في دور البطل.
التجلي الثاني:
“يقضي الكثيرون أعمارهم في إحصاء الأبواب المغلقة، بينما يكمن السر في شجاعة فتح باب واحد والارتحال نحو المجهول.”
بينما كان يخطو نحو الداخل، كان ظله يمتد خلفه طويلاً، كأنه خيطٌ يربطه بماضٍ بدأ يتلاشى.
ومع كل بوصة يتقدمها نحو النور، كان يشعر بجسده يخف، وأصوات الشك التي كانت تهمس بأن الظلام ” أمان ” تخرس تماماً.
اكتشف في تلك اللحظة أن السجن الحقيقي لم يكن خلف الأبواب، كان في الخوف من تجاوز عتباتها.
التجلي الثالث:
“نحن لا نضيع في هذا العالم لقلة الأبواب، نحن نضيع لأننا ننتظر من يفتحها لنا.”
عند العتبة الأخيرة، انحسر اهتمامه بكل تلك الأبواب الأخرى التي تملأ الفراغ؛ فلم يعد يغويه ثراءٌ خلف باب، أو شهرةٌ خلف آخر.
تجلت له الحكمة الكبرى بوضوحٍ تام:
الوجهة ليست مكاناً نصل إليه، لكنها الطريقة التي نُبصر بها النور في قلب العتمة.
اتخذ خطوته الحاسمة، فانغلق الباب خلفه بهدوءٍ مهيب.. اختفى الفراغ الموحش، ولم يعد هناك كائنٌ تائه، إذ وُلد إنسانٌ جديد في عالمٍ لا يحتاج فيه إلى البحث عن الضوء، لأنه صار هو مصدر النور.
صدى الغرف الفارغة
صدى الغرف الفارغة
كانت عقارب الساعة الحائطية القديمة تتحرك بصوت رتيب، كأنها تطرق مسماراً في نعش الوقت.
في تلك الشقة المنسية على أطراف المدينة، كان يعيش وحيداً وسط ركام من الأشياء التي لم تعد تخص أحداً. كان المكان يعج بأثر العابرين ؛ معطف صوفي معلق خلف الباب تركته صاحبتُه ذات شتاء رحل ولم يَعُد، فنجان قهوة مشروخ تفوح منه رائحة غياب جاف، وإطار صورة فارغ يطل على الجدار كعين عمياء.
لم يكن يسكن المنزل، كانت تفاصيل الغياب هي التي تسكنه. كان يستيقظ كل صباح ويمشي على أطراف أصابعه، خشية أن يوقظ الصمت الجاثم في الزوايا.
تعود أن يلتفت خلفه فجأة، ظناً منه أن ذيلاً من فستان أو ضحكة هربت من الماضي ستعبر الرواق.
كانت حياته بأكملها معلقة في خيط ذلك الحنين القاتل، يعيد تدوير الذكريات كشريط سينمائي مهترئ، يخشى فتح النوافذ كراهية أن تطير رائحة الراحلين مع الريح.
التجلي الأول:
“التعلق بالراحلين أشبه بالقبض على جمر ميت؛ لن يمنحك الدفء الذي تبحث عنه، سيكتفي بترك ندوب سوداء في كفك.”
في ليلة شديدة البرودة، انقطع التيار الكهربائي، فاستسلمت الشقة لظلام دامس.. أمسك بشمعة صغيرة وسار في الممر الطويل، فانعكس ظله على الحوائط متضخماً ومشوهاً.
توقف أمام غرفة المائدة، تلك الغرفة التي شهدت يوماً صخب العائلة ودفء الأحاديث، وضع الشمعة على الطاولة، ونظر إلى المقاعد الخشبية المتحلقة حولها؛ كانت فارغة، يعلوها غبار كثيف يشهد على هجر طويل.
جلس على مقعده المعتاد، وأغلق عينيه. في تلك اللحظة، شعر بالبناء النفسي ينهار داخله. تداخلت أصوات الماضي في أذنيه؛ رنين ضحكاتهم، عتابهم البسيط، وخطواتهم الراكضة. فتح عينيه بلهفة وصاح في الفراغ: لماذا تركتموني هنا؟؟
لم يجبه سوى صدى صوته، عاد إليه جافاً، موحشاً، ومجرداً من أي حياة. اصطدم الصدى بالجدران المقشرة ليعود ويسكن صدره كخنجر.
التجلي الثاني:
“البيوت المهجورة لا تحبس الأرواح، نحن من نمنح الجدران القدرة على احتجازنا عندما نرفض الالتفات للمستقبل.”
نظر إلى الشمعة التي بدأت تذوب وتذرف دموعاً من الشمع الساخن.
تأمل النور الضئيل الذي يقاوم العتمة المحيطة به، وفهم الحقيقة العارية لأول مرة. أدرك أن الأشخاص الذين رحلوا لم يأخذوا معهم جدران الشقة ولا أثاثها، هم رحلوا بأجسادهم وحيواتهم، بينما اختار هو بكامل إرادته أن يدفن روحه وسط مخلفاتهم.
كان يظن نفسه وفياً لذكراهم، واكتشف الآن أنه كان مجرد حارس لزنزانة صنعها بخوفه من الوحدة.
وقف على قدميه، وشعر بثقل غريب في ركبتيه كأنه يحمل أوزار سنوات من الوقوف في المكان نفسه. مشى نحو النافذة الكبيرة المغلقة منذ دهر.
كانت مغطاة بطبقات من الأوساخ تمنع حتى ضوء النجوم من العبور. وضع يده على المزلاج الحديدي المصاب بالصدأ. تردد لثوانٍ، وتذكر كلمات فصله القديم عن شجاعة فتح الأبواب وتجاوز العتبات.
التجلي الثالث:
“المواجهة الكبرى لا تكون مع الآخرين، هي مع الفراغ الروحي الذي نملؤه بأوهام الحنين لنشعر بوجودنا.”
بضغطة واحدة حاسمة، دفع المزلاج ليرتفع صوت صرير حاد خرق سكون الليل. فتح النافذة على مصراعيها، فاندفعت نسمة هواء باردة ونقية، اكتسحت رائحة الرطوبة والغبار والماضي المخزن في الزوايا.
تطلعت عيناه إلى السماء الواسعة المرصعة بالنجوم، ورأى أضواء المدينة البعيدة تتلألأ كوعود جديدة تنتظره في الخارج.
التفت إلى الغرفة لمرة أخيرة؛ لم تعد المخلفات تبدو له مقدسة، صارت مجرد أشياء مادية لا تملك سلطة عليه. نفخ في الشمعة فأطفأها، ودخل في ظلام الغرفة دون خوف، مسترشداً بضوء القمر الآتي من النافذة.
عرف في تلك اللحظة أن عتبة اليقين التي عبرها بالأمس، قادته اليوم ليعلم أن الحرية تبدأ عندما نتوقف عن سماع أصدقاء الغرف الفارغة، ونبدأ في كتابة أصواتنا نحن.