نبذة عن الكتاب
الفهرس
الفصل الأول: الرجل الذي كان يسأل
في القرية التي وُلد فيها يونس، كان لكل شيء اسم، ولكل اسم حكاية، ولكل حكاية نهاية يعرفها الجميع. وحده يونس لم يكن يطمئن إلى النهايات.
حين ماتت أمه، سأله أبوه: «لماذا تبكي؟ لقد عاشت عمرها، وهذا قدر الله».
لم يعترض يونس على القدر، لكنه ظل يتساءل: لماذا نحتاج إلى تفسير الفقد حتى نستطيع احتماله؟ ولماذا يطلب الكبار من الصغار أن يتوقفوا عن الأسئلة في اللحظة التي تصبح فيها الأسئلة أكثر ضرورة؟
كبر، وكبرت معه أسئلته. كان يسأل المعلّم عن الأشياء التي لا يشرحها الكتاب، والفلاح عن الأرض التي تمنح ثمارها لمن يحرثها ثم تُؤخذ منه حين يموت، والعجوز الذي يجلس عند باب المسجد عن السر الذي يجعل الإنسان يشتاق إلى أيامٍ كان يشكو منها حين عاشها.
لم يكن الناس يكرهونه، لكنهم كانوا يتعبون منه. فالسؤال الذي يبدو بسيطًا في أوله قد يكشف، في نهايته، أن أحدًا لم يفكر في الأمر من قبل.
قال له المعلّم ذات يوم: «يا يونس، ستضيع عمرك إن بحثت عن إجابة لكل شيء».
فأجابه: «وأيُّ عمرٍ سأعيش إن قضيتُه مؤمنًا بأشياء لا أعرف لماذا أؤمن بها؟»
لم يجد المعلّم ردًّا، فاكتفى بأن أغلق الكتاب.
وحين بلغ يونس الثلاثين، ورث عن أبيه بيتًا قديمًا في طرف القرية، وفي إحدى غرفه وجد صندوقًا خشبيًّا لم يره من قبل. كان الصندوق صغيرًا، تعلوه طبقة من الغبار، وقد كُتب على غطائه بخط أبيه:
«إلى يونس، حين يظن أن الأسئلة تقوده إلى الحقيقة».
فتح الصندوق، فوجد داخله دفترًا أسود ومفتاحًا نحاسيًّا ورسالة قصيرة.
كتب أبوه في الرسالة: «إذا أردت أن تعرف لماذا كنت أصمت حين تسألني، فاذهب إلى المكتبة القديمة، وافتح الغرفة التي لا يدخلها أحد».
كانت المكتبة قد أُغلقت منذ سنوات، بعد أن هجرها أمينها الأخير. وحين وصل إليها يونس في صباح اليوم التالي، وجد الباب مواربًا، كأن أحدًا كان ينتظره.
في الداخل، تراصّت الكتب على رفوف عالية، وتدلّت خيوط العنكبوت من النوافذ. سار بين الرفوف حتى بلغ آخر الممر، حيث وجد بابًا ضيقًا لا يحمل رقمًا ولا علامة.
جرّب المفتاح، فانفتح الباب.
كانت الغرفة خالية إلا من طاولة وكرسي ومرآة كبيرة. وعلى الطاولة وُضعت ورقة واحدة، كُتب عليها:
«ما السؤال الذي تخشى أن تعرف إجابته؟»
جلس يونس.
للمرة الأولى منذ سنوات، لم يجد سؤالًا يطرحه على شخص آخر. لم يكن في الغرفة أحد، ولم يكن هناك كتاب يفتح صفحاته ليمنحه إجابة جاهزة.
أخذ القلم، وكتب: «هل كنت أبحث عن الحقيقة، أم كنت أبحث عن سبب يجعلني مختلفًا عن الآخرين؟»
توقف طويلًا أمام الجملة. شعر بشيء يشبه الخجل، كأنه ضبط نفسه متلبسًا بسرّ لم يكن يعرف أنه يخفيه.
تذكّر كل مرة صحّح فيها لأحدهم إجابته، وكل نقاشٍ خاضه حتى النهاية، وكل صمتٍ اعتبره اعترافًا بالعجز. هل كان يريد أن يفهم حقًّا، أم كان يريد أن يكون الشخص الذي يفهم حين يعجز الآخرون؟
قلب الورقة، فوجد على ظهرها جملة أخرى: «ومن قال لك إن الحقيقة ستجعلك أفضل؟»
نهض غاضبًا، وألقى القلم على الطاولة. بدا له أن صاحب الرسالة يسخر منه، وأن الغرفة لم تُعَدّ إلا لتزرع الشك في كل ما يعرفه.
لكنه، قبل أن يغادر، لمح الدفتر الأسود الذي أحضره من بيت أبيه. فتحه على الصفحة الأولى، فوجد سؤالًا بخط أبيه: «هل يمكن للإنسان أن يحب شخصًا، ثم يظلمه باسم الحب؟»
تجمّد في مكانه.
لم يكن أبوه رجلًا كثير الكلام، لكنه كان رجلًا طيبًا في نظر الجميع. لم يتذكر يونس أنه ظلمه يومًا، ولم يفهم ما الذي دفعه إلى كتابة هذا السؤال.
قلب الصفحات، فوجد عشرات الأسئلة، بعضها عن الحب، وبعضها عن الخوف، وبعضها عن الله والناس والموت والندم. ولم تكن بينها إجابة واحدة.
وفي الصفحة الأخيرة، وجد عبارة كُتبت بحبر باهت:
«لقد أمضيت عمري أبحث عن الإجابات التي تمنحني الطمأنينة، حتى اكتشفت أن أكثر ما أخشاه لم يكن جهل الحقيقة، بل أن أعرفها فأضطر إلى تغيير نفسي».
أغلق يونس الدفتر.
في تلك اللحظة، لم يعد يريد معرفة ما تخفيه الغرفة. أراد أن يعرف ما الذي أخفاه أبوه عن نفسه طوال حياته.
الفصل الثاني: حين أصبح السؤال مرآة
عاد يونس إلى البيت، وجلس أمام الدفتر حتى انقضى النهار. قرأ الأسئلة مرة بعد أخرى، محاولًا أن يجد بينها خيطًا يوصله إلى الحكاية التي لم يروها أبوه.
ثم عثر، بين الصفحات، على اسم لم يسمعه منذ طفولته: مريم.
كانت مريم امرأة عاشت في القرية قديمًا، وعُرفت بأنها أول من أنشأ مدرسة صغيرة للفتيات. تذكر يونس أن اسمها كان يُذكر همسًا، ثم اختفى من أحاديث الناس، كأن الجميع اتفقوا على نسيانه.
في صباح اليوم التالي، قصد منزل امرأة مسنّة تُدعى سلمى، كانت صديقة أمه وتعرف أخبار القرية القديمة.
ما إن ذكر اسم مريم حتى تغيّر وجهها.
قالت: «أبوك كان يعرفها جيدًا».
سألها: «لماذا لم يخبرني؟»
أطرقت العجوز قليلًا، ثم قالت: «لأنه لم يكن فخورًا بما فعله».
عرف يونس الحكاية على دفعات، كأن كل جزء منها يحتاج إلى شجاعة كي يُقال. قبل سنوات طويلة، كانت مريم تطالب بأن تتعلم فتيات القرية القراءة والكتابة. أيدها بعض الناس، وعارضها آخرون، وكان أبو يونس من الذين وقفوا في وجهها. لم يكن شريرًا، ولم يكن يكره التعليم؛ لكنه خاف من كلام الناس، ومن أن تتغير الحياة التي اعتادها، ومن أن يفقد مكانته بينهم.
وحين انتشرت الشائعات عن مريم، صمت. وحين اتُّهمت بما لم تفعله، لم يشهد بما يعرفه. ثم رحلت عن القرية، وأُغلقت مدرستها، وعاد كل شيء إلى ما كان عليه.
سأل يونس بصوت خافت: «وهل حاول أبي إصلاح ما حدث؟»
أجابت سلمى: «بحث عنها بعد سنوات، لكنه لم يجدها. ظل يقول إنه كان خائفًا، وإنه لم يعرف يومها كيف يتصرف».
صمتت قليلًا، ثم أضافت:
«لكنه كان يعرف أنها مظلومة. أحيانًا يعرف الإنسان الصواب، ثم يقضي عمره في البحث عن تفسير يجعله أقل ذنبًا».
عاد يونس إلى بيته مثقلًا بما عرف. لم يكن يتخيل أن أباه، الذي علّمه الصدق، قد صمت حين كان الصدق يحتاج إلى صوت. ولم يكن يعرف أيَّ صورة منه ينبغي أن يحتفظ بها: صورة الأب الذي أحبه، أم صورة الرجل الذي خذل امرأة كان يستطيع أن ينصفها. لأول مرة، أدرك أن معرفة الحقيقة لا تأتي دائمًا في هيئة نور. قد تأتي على هيئة عبء، وتضع أمامك اختيارًا لا تستطيع التهرب منه: إما أن تنظر إلى ما عرفت، وإما أن تبحث عن سؤال آخر يشغلك عنه.
في المساء، ذهب إلى المكتبة القديمة مرة ثانية. دخل الغرفة وجلس أمام المرآة، ووضع دفتر أبيه على الطاولة.
قرأ السؤال المكتوب على الورقة:
«ما السؤال الذي تخشى أن تعرف إجابته؟»
هذه المرة، لم يكتب عن الحقيقة ولا عن الاختلاف ولا عن الناس.
كتب: «إذا عرفت أن من أحبهم قد أخطؤوا، فهل أملك الشجاعة لأرى أخطاءهم كما هي، من دون أن أنكر محبتي لهم؟»
ظل ينظر إلى الكلمات. لم تمنحه طمأنينة، ولم تجعله أفضل مما كان قبل دقائق. لكنها أزاحت شيئًا من داخله، وتركته يرى أن الحب لا يقتضي تزوير الذاكرة، وأن الاعتراف بخطأ من نحب لا يمحو كل ما كان جميلًا فيه.
فتح الدفتر من جديد، وكتب تحت سؤال أبيه:
«وهل تكفي معرفة الخطأ إن لم نحاول إصلاح ما نستطيع إصلاحه؟»
ثم أغلقه، وخرج من الغرفة.
في الأسابيع التالية، بدأ يونس يجمع ما بقي من حكاية مريم. سأل من عرفوها، وفتّش في سجلات المدرسة القديمة، حتى عثر على بعض رسائلها. اكتشف أنها انتقلت إلى مدينة بعيدة، وأنها واصلت تعليم الفتيات هناك، وأن مدرستها التي أُغلقت في القرية لم تكن نهاية قصتها.
كتب حكايتها كما سمعها، وذكر خطأ أبيه كما عرفه، من دون أن يحوّل الرجل إلى وحش أو يجعل ندمه عذرًا يمحو ما حدث. وحين انتهى، وضع المخطوط في المكتبة، حيث يستطيع كل من يدخلها أن يقرأه.
لم يكتب في الصفحة الأخيرة خلاصةً عن التسامح أو الحقيقة أو الندم. كتب سؤالًا واحدًا: «كم حكايةً نرويها عن الذين نحبهم، وكم حكايةً نحذف منها لأننا نخشى أن تتغير صورتهم في أعيننا؟»
بعد سنوات، حين صار يونس أمينًا للمكتبة، كان الأطفال يأتونه بأسئلة لا تنتهي. يسألونه عن النجوم، وعن الموت، وعن سبب اختلاف الناس، وعن الأشياء التي لا يجدون لها تفسيرًا.
وكان يستمع إليهم حتى النهاية.
لم يعد يسارع إلى تقديم الإجابات، ولم يعد يظن أن السؤال دليل على النقص. تعلّم أن بعض الأسئلة تفتح أبواب المعرفة، وبعضها يكشف ما نخفيه عن أنفسنا، وبعضها لا نعرف قيمته إلا حين نجرؤ على العيش وفق ما كشفه لنا.
وذات يوم، دخل طفل صغير المكتبة، ووضع كتابًا على الطاولة، ثم سأل:
«يا عم يونس، هل لكل سؤال إجابة؟»
ابتسم يونس، ونظر إلى الباب الضيق في آخر الممر، ثم عاد بعينيه إلى الطفل.
قال: «لكل سؤال طريق، يا بني. لكن عليك أن تنتبه؛ فقد تبدأ رحلتك وأنت تبحث عن إجابة، ثم تكتشف في الطريق أنك أنت من كان يحتاج إلى التغيير».
خرج الطفل مسرعًا، وبقي يونس وحده بين الكتب.
أخرج الدفتر الأسود، وفتح صفحة جديدة. كتب في أعلاها:
«ما الذي لم أفهمه بعد؟»
ثم ترك مساحة واسعة تحت السؤال.
كان يعرف الآن أن بعض المساحات لا تُترك فارغة لأن الكلمات نفدت، بل لأن الحياة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.